مقالات

عثمان ميرغني : من يحق له الحديث باسم الدولة؟

من يحق له الحديث باسم الدولة؟

عثمان ميرغني

خطاب مرتجل في إفطار رمضاني أمس الأول (الثلاثاء) لأحد الكوادر الشهيرة في الحركة الإسلامية، ناجي عبدالله، أثار جدلاً واسعاً داخلياً وخارجياً. جهر بموقف مساند لإيران في الحرب الراهنة، بل زاد عليه القتال معها إن دعت الحاجة. وعلى حد المثل المصري الشهير «وتجي الطوبة في المعطوبة»، يتصادف أن يُقام إفطار رمضاني آخر في مدينة بورتسودان، يتحدث فيه وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم – وهو يرتدي الزي العسكري – ويسير – بدرجة من اللغة الدبلوماسية – على الطريق ذاته، فيتطوع بتحليل سياسي يمنح إيران درجة من التعاطف في حرب يصفها بأنها مخطط لها في إطار واسع سيشمل تركيا وباكستان على حد قوله.
العالم الخارجي، الذي يراقب هذه الأيام تعرّجات خطوط التحالفات الظاهرة والمستترة خلف الكواليس، اهتم بهذه التصريحات في محاولة لفهم ما يتجاوز البيانات الدبلوماسية الرسمية. فقد أدلت وزارة الخارجية السودانية بمواقف مؤيدة بقوة لدول الخليج في مواجهة «العدوان الإيراني»، إضافة إلى المهاتفات الرئاسية من الرئيس البرهان لقادة تلك الدول.
أقل درجات الظن سوءاً التي وصل إليها المراقبون الدوليون تجاه السودان هي وجود انقسام داخل منظومة الحكم، بين مجموعة تدعم الخليج وأخرى تميل إلى إيران، مما يجعل الريبة تغلب على الموقف الرسمي للدولة الذي عبرت عنه بيانات وزارة الخارجية.
ما كان السودان في حاجة إلى الوقوع في هذا المأزق لو أدركت الدولة أن ترك الباب مفتوحاً أمام الأصوات العفوية لتعبر عن مواقف يُفسرها المراقبون على أنها رسمية، يُعد خطأً استراتيجياً. لو كان هناك اهتمام حقيقي بضبط الخطاب العام على كل المستويات – من أعلى هرم الدولة في مجلس السيادة إلى أدنى درجة قد تتقمص لسان الدولة، ولو بارتداء زي نظامي تطوعياً – لما حدث هذا الالتباس.
ما فعله ناجي عبدالله منسجم مع ظاهرة سائدة منذ فترة، يستسهل فيها كثيرون اعتلاء المنابر وهم يرتدون الزي الرسمي للقوات المسلحة السودانية، ويدلون بآراء سياسية قد تعبر عنهم شخصياً أو عن التيار السياسي الذي ينتمون إليه، دون أن تتفق بالضرورة مع الموقف الرسمي.
والمفترض أن من يرتدي زي الجيش يضع نفسه رهن قانون القوات المسلحة، الذي لا يسمح لأي منتسب إليها – حتى لو كان برتبة فريق – أن يتحدث باسمها إلا بتفويض صريح.
القاسم المشترك بين ناجي عبدالله وجبريل إبراهيم – رغم الفارق في المنصب الرسمي بينهما – هو أن الاثنين تحدثا وهما يرتديان الزي النظامي الرسمي للجيش. وهنا تكمن المفارقة والخطأ الأساسي.
من الحكمة ألا يقتصر الأمر على ضبط الخطاب الرسمي فحسب، بل يمتد إلى تنظيم أماكن ومناسبات ارتداء الزي العسكري. فلا حاجة، مثلاً، لوالي الخرطوم أن يرتديه وهو يمارس أعماله المدنية العادية. وكذلك وزير المالية جبريل إبراهيم، يمكنه ارتداؤه عند زيارة معسكرات قواته أو المقار العسكرية في سياق مسؤوليته كقائد لحركة العدل والمساواة التي تقاتل ضمن القوة المشتركة مع الجيش، ولكن ليس في مكتب وزير المالية أو على منابره الرسمية المدنية.
أول درجات سيطرة الدولة على سيادتها وأراضيها وحدودها هو ضبط النظام في خطابها وهياكلها ومؤسساتها.
كيف تحافظ دولة على سيادتها وهي لا تقدر على ضبط خطابها ولا مؤسساتها؟

#حديث_المدينة الخميس 5 مارس 2026

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى