
حميدتي في جوبا.. تحركات غامضة وترتيبات داخلية في لحظة مفصلية
النورس نيوز :
بقلم: د. إبراهيم الصديق علي
في توقيت بالغ الحساسية، وصل قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى جوبا في السادس عشر من أبريل، في زيارة بدت في ظاهرها عادية، لكنها تحمل في باطنها الكثير من المؤشرات والدلالات المرتبطة بتطورات المشهد الداخلي داخل قواته.
اللافت في هذه الزيارة أنها لم تحظَ بأي استقبال رسمي أو شعبي، حيث اقتصر الحضور على عناصر أمنية، قبل أن يتوجه مباشرة إلى بيت الضيافة، في مشهد يعكس طبيعة التحفظ الذي أحاط بالتحرك منذ لحظاته الأولى. كما لم تُطرح أي أجندة واضحة للزيارة، سواء على مستوى اللقاءات الرسمية مع حكومة جنوب السودان أو غيرها، وهو ما يفتح الباب أمام فرضيات متعددة، أبرزها أن الزيارة ذات طابع داخلي أكثر من كونها دبلوماسية.
المعطيات تشير إلى أن جوبا قد لا تكون سوى محطة عبور ضمن مسار أوسع، إذ ترجح تقديرات أن وجهة حميدتي النهائية هي إقليم دارفور، مروراً بولاية غرب بحر الغزال، ومنها إلى مناطق نفوذه التقليدية. هذا المسار يعكس رغبة في إعادة ترتيب الأوراق ميدانياً، في ظل تصاعد التحديات التي تواجه قواته على الأرض.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن حالة التصدع الداخلي التي باتت تلوح في الأفق، سواء على المستوى العسكري أو الاجتماعي، خاصة مع تنامي الانقسامات القبلية داخل الحاضنة التي يعتمد عليها. وقد برزت هذه المؤشرات بشكل أوضح عقب الأحداث التي شهدتها مناطق مثل “دامرة الشيخ”، وما تبعها من توترات واشتباكات مع مجموعات مسلحة مختلفة، من بينها قوات مرتبطة بالنور قبة وحمودة، وهو ما أدى إلى تعقيد المشهد بصورة غير مسبوقة.
محاولات احتواء هذه التوترات عبر الاتصالات والوساطات لم تحقق نتائج حاسمة، بل تزامنت مع تقارير عن حملات اعتقالات وتصفيات داخلية، الأمر الذي يعكس حجم الأزمة التي تواجهها القيادة في السيطرة على تماسك قواتها.
في هذا السياق، تكتسب رحلة حميدتي بعداً استثنائياً، إذ تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة فرض السيطرة وترتيب مراكز القوة، في ظل بيئة ميدانية متغيرة، وتراجع ملحوظ في بعض عناصر الحماية الأجنبية التي كانت تشكل جزءاً من منظومة تأمين تحركاته.
غير أن هذه التحركات، رغم ما تحمله من أهداف تكتيكية، تظل محفوفة بالمخاطر، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة القرارات التي تتسم أحياناً بالمغامرة، وما قد يترتب عليها من كلفة بشرية ومادية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تنجح هذه الرحلة في إعادة ضبط الإيقاع داخل قوات الدعم السريع، أم أنها قد تتحول إلى نقطة تحول تكشف حجم التحديات التي يصعب احتواؤها في المدى القريب؟
الإجابة تبقى رهينة بتطورات الميدان، وتعقيدات المشهد الذي يتغير بوتيرة متسارعة.







