الهندي عزالدين بين رصانة القلم ومسؤولية الدولة
كتب: محمد عثمان الرضي
تواترت الأنباء حول ترشيح الصحفي المعروف الهندي عزالدين لعضوية مجلس السيادة، خلفاً للأستاذة سلمي عبدالجبار التي تقدمت باستقالتها، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول دور الكفاءات الوطنية في إدارة المرحلة الانتقالية الدقيقة التي تمر بها البلاد.
يأتي هذا الترشيح في سياق سياسي معقد يتطلب شخصيات تمتلك وضوح الرؤية وصلابة الموقف، إلى جانب القدرة على قراءة المشهد الوطني بتجرد ومسؤولية، وهي صفات ارتبطت في الوعي العام باسم الهندي عزالدين خلال مسيرته المهنية.
يُعد الهندي عزالدين أحد أبرز الأصوات الصحفية التي واكبت التحولات الكبرى في السودان، حيث اتسمت كتاباته بالوضوح والصراحة، وحرصه الدائم على إعلاء ما يراه حقاً دون مواربة أو مجاملة.
وخلال معركة الكرامة برز موقفه الداعم للمؤسسة العسكرية باعتبارها ركناً من أركان الدولة الوطنية، وهو موقف عبّر عنه بوضوح في مقالاته ومنصاته الإعلامية، منطلقاً من قناعاته الخاصة تجاه وحدة البلاد واستقرارها.
ويُحسب له في الوسط الصحفي استقلاليته المهنية، إذ رسم لنفسه خطاً واضحاً لا يقوم على التملق أو البحث عن المكاسب الآنية، بل على اجتهاد شخصي ورؤية متماسكة تستند إلى قناعة فكرية متماسكة.
ورغم اختلاف البعض معه في بعض الطروحات، إلا أن كثيرين يجمعون على احترام أسلوبه في الطرح وحضوره المهني، لما يتسم به من لياقة في الحوار وأدب في الاختلاف.
تربطني به علاقة مهنية تعود إلى سنوات العمل الصحفي، وقد لمست عن قرب التزامه الصارم بأخلاقيات المهنة، وحرصه على أن يظل وفياً لمبادئه مهما تبدلت الظروف.
ولا تزال كلمات الصحفية القديره آمال عباس حاضرة في الذاكرة، حين كانت تشيد بجرأته المهنية وتؤكد إعجابها بوضوحه وعدم خشيته من قول ما يعتقده صواباً، وهي شهادة صدرت عن قامة صحفية عُرفت بدقتها في تقييم الرجال والمواقف.
لقد كانت شهادة آمال عباس تعبيراً عن تقدير مهني صادق، إذ عُرفت بصرامتها في الحكم على التجارب الصحفية، ولا تمنح ثقتها إلا بعد تمحيص طويل.
وفي حال قُدّر للهندي عزالدين أن يتولى عضوية مجلس السيادة، فإن خبرته الإعلامية الواسعة قد تسهم في تعزيز جسور التواصل بين مؤسسات الحكم والرأي العام، في مرحلة تحتاج إلى خطاب واضح وشفاف.
تتطلب المسؤولية السيادية قدراً عالياً من الاتزان والقدرة على اتخاذ القرار في أوقات حرجة، وهي سمات يُعرف بها الرجل، إذ عُرف عنه الحسم والثقة بالنفس، مع تمسكه برأيه ما لم تُقنعه الحجة والمنطق بخلاف ذلك.
ويمتاز بشخصية قيادية تميل إلى الاستقلالية، فلا يخضع لتأثيرات آنية، بل يفضل بناء مواقفه على قراءة خاصة وتحليل عميق للمعطيات.
وفي مسيرته المهنية، أسس وأدار صحيفة صحيفة المجهر السياسي، التي أصبحت إحدى أبرز المنابر السياسية في السودان، وأسهمت في تشكيل الرأي العام عبر تناولها الجريء للقضايا الوطنية.
ويُعد نجاحه في إدارة مؤسسة صحفية مؤثرة دليلاً على قدرته التنظيمية والإدارية، إلى جانب حضوره الفكري والإعلامي.
ينتمي الهندي عزالدين إلى ولاية الجزيرة، قلب السودان النابض، غير أن انتماءه الفكري ظل قومياً واسع الأفق، يتجاوز الجغرافيا إلى همٍّ وطني شامل يستوعب تنوع البلاد الثقافي والإثني.
لقد ظل في كتاباته معنياً بقضايا السودان الكبرى، من وحدة الصف إلى استقرار الدولة، مروراً بإعلاء قيم العدالة وسيادة القانون.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شخصيات تجمع بين الجرأة والحكمة، وبين وضوح الموقف والقدرة على الإصغاء، وهي معادلة صعبة لكنها ممكنة حين تتوافر الإرادة والخبرة.
ويبقى ترشيح الهندي عزالدين محطة جديرة بالتأمل، ليس فقط من زاوية شخصه، بل من حيث الدلالة على إمكانية انتقال الكفاءات المهنية من فضاء الصحافة إلى ساحات القرار السيادي.
فالصحافة، في جوهرها، مدرسة للرأي والتحليل، وإذا ما اقترنت بالتجربة والالتزام الوطني، فإنها قد تتحول إلى رصيد حقيقي في مؤسسات الحكم.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المشاورات الرسمية، يظل اسم الهندي عزالدين حاضراً في المشهد بوصفه أحد الوجوه التي تركت بصمتها في المجال العام.
وإن تحقق هذا الانتقال، فسيكون اختباراً جديداً لرجل خبر ميادين الكلمة، ليخوض ميدان القرار، بين تحديات الدولة وتطلعات شعب يتطلع إلى الاستقرار والنهضة.









