كبري الحلفايا.. بين الأرقام والشفافية
الخرطوم – النورس نيوز
بقلم الطاهر ساتي
في كل مرة تُطرح مشاريع إعادة الإعمار في الخرطوم، يشتعل النقاش حول الشفافية والقيمة الحقيقية للعقود، وكان آخرها عقد إعادة تأهيل كبري الحلفايا. ففي مؤتمر صحفي حديث، استعرض المدير العام للطرق والجسور، المهندس أحمد عثمان، تفاصيل العقد، متحدثاً عن قيمته بالجنيه السوداني، وأرقاماً وصلت إلى 41 مليار جنيه تقريباً، بما في ذلك القيمة المضافة، وهو ما يعادل حوالي 11 مليون دولار.
لكن الإشكالية ليست في العملة، بل في حجم العقد وطريقة ترسيه. فالخبراء يرون أن تكلفة إنشاء كبري الحلفايا لم تتجاوز 42 مليون دولار، بينما بلغ طول كبري المك نمر 850 متراً بتكلفة 24 مليون دولار، وكبري المنشية 425 متراً بتكلفة 10.5 مليون دولار. في هذا السياق، يصبح سؤال الجميع: كيف يمكن أن تصل تكلفة إعادة تأهيل جزء محدود من الكبري إلى 11 مليون دولار تقريباً؟
الأمر الأكثر إثارة للجدل هو عدم طرح العطاء بشكل علني. فقد تم ترسية المشروع مباشرة على شركة إبراهيم بله للمقاولات – IBC – دون منافسة مفتوحة، رغم اعتراف المدير العام بأن المدير السابق رشح “أفضل شركتين” هما شركة A@A وIBC. هذا الترشح يطرح أسئلة حول مدى احترام القانون ولوائح الشراء والتعاقد، ويفتح باب الشبهات حول المحسوبية وتفضيل شركات محددة دون تقييم شفاف أو مسابقة عادلة.
ويضيف المحللون أن مثل هذه الإجراءات قد تؤثر على ثقة المواطنين والإعلام في إدارة المال العام، وتترك أثراً سلبياً على سمعة الوزارة، خاصة في مشاريع إعادة الإعمار الكبرى، التي تحتاج إلى إجراءات رقابية صارمة، ومراجعة دقيقة، ومنافسة حقيقية لضمان جودة التنفيذ والعدالة في التعاقدات.
من جهة أخرى، يرى بعض المراقبين أن النقاش حول العُملة، سواء كانت الجنيه أو الدولار، لا يقل أهمية عن جدوى المشروع نفسها، لأن الهدف الأساسي هو التأكد من ملاءمة تكلفة المشروع مع حجم العمل المنجز، وضمان عدم تضخيم الميزانية بشكل يضر بالمصلحة العامة.
في النهاية، يدعو المراقبون إلى أن تكون ملفات كل مشاريع الطرق والجسور في الخرطوم، لا سيما الكبيرة منها، خاضعة للمراجعة العامة والرقابة المستقلة، مع إحالة أي مخالفات محتملة إلى النيابة العامة، لضمان عدم تكرار التجاوزات، وحماية الموارد العامة، وتعزيز ثقة المواطن في الإدارة الحكومية.










