عمار العركي يكتب.. خبر وتحليل: من أبوظبي إلى بني شنقول ويابوس وتقراي… لتفجير شرق السودان
النورس نيوز
خبر وتحليل
من أبوظبي إلى بني شنقول ويابوس وتقراي… لتفجير شرق السودان
التطورات السياسية والأمنية المتسارعة داخل دولة إثيوبيا، وما كشفته مؤخرًا تقارير رويترز وبراون لاند بشأن نشاط معسكرات المليشيات والمرتزقة المدعومين إماراتيًا في إقليم بني شنقول الإثيوبي قرب الحدود السودانية، تزامنًا مع زيارات مكوكية لوزير الخارجية السعودي إلى أديس أبابا، وزيارة الرئيس المصري إلى أبوظبي، واجتماعات مجلس السلم والأمن الإفريقي، التي سبقتها عودة السودان غير المتوقعة إلى منظمة «إيغاد» بعد فترة مقاطعة بسبب ما اعتبره انعدام حيادها وتماهيها مع المليشيا وجناحها السياسي — حتى اليوم — مع تصريحات ترحيب دبلوماسية من سكرتيرها التنفيذي الإثيوبي «قبيهو»…
كلها أحداث مترابطة، وخيوط متصلة تبدأ من أبوظبي، وتمر ببونتلاند في الصومال، لتصل إلى بني شنقول في إثيوبيا، ومنها إلى يابوس والحدود السودانية، ثم تمتد ظلالها إلى تقراي، في توقيت سوداني وإقليمي دقيق وحساس.
التحقيق الذي نشرته وكالة «رويترز»، والتقرير الاستقصائي الصادر عن «براون لاند»، إلى جانب ما كشفته مصادر ميدانية، تحدثت عن دعم إماراتي لمعسكرات داخل الأراضي الإثيوبية تُستخدم لتدريب مقاتلين من مليشيا قوات الدعم السريع، ومن جناح «جوزيف تكا» بالحركة الشعبية لتحرير السودان، ضمن تحرك منظم عبر مسار لوجستي واضح يمر بالأراضي الإثيوبية باتجاه الحدود السودانية.
وخلال الأسابيع الماضية، نُفِّذت أربع رحلات جوية من الداخل الإثيوبي إلى منطقة يابوس، تحمل طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية. وفي الرابع من فبراير الجاري، دخلت «ثماني مركبات عسكرية كبيرة» من نوع «أورالات» إلى يابوس محملة بمقاتلين، بعد أيام من إدخال «ثلاثين عربة لاندكروزر قتالية وشاحنات وقود» في السادس والعشرين من يناير. وقبل ذلك، في أواخر ديسمبر، وصلت «سبع شاحنات نقل جنود عسكرية» إلى معسكر «قشن» تقل مقاتلين من جنسيات مختلفة، تمهيدًا لنقلهم إلى الداخل السوداني.
ومع هذه التحركات، أُنشئ معسكر تدريب جديد في أوندلو بقرية «الأحمر»، بينما تحول «جبل قشن» إلى نقطة تجميع رئيسية، يُنظَّم فيها السائقون والفنيون، ويتم نقلهم إلى مطار «أصوصا» لاستلام المركبات القادمة جوًا، قبل تحريكها نحو جبهات القتال في «ولاية النيل الأزرق» السودانية. وهكذا تتشكل على الأرض شبكة حركة متصلة تبدأ من مطارات إماراتية، مرورًا بالعمق الإثيوبي، وصولًا إلى الحدود والداخل السوداني.
في الوقت نفسه، اتجه الخطاب السياسي في أديس أبابا نحو مسار أكثر حدة، كما في تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي «جيديون تيموثيوس»، التي اتهم فيها إريتريا بدعم «جبهة تقراي» واحتلال أراضٍ إثيوبية، في لحظة تشهد فيها مناطق «تقراي والأمهرة وجامبيلا والعفر» توترات سياسية وأمنية متزايدة. وبينما كانت الأنظار تتجه إلى تلك الملفات، بدا أن شيئًا آخر يتحرك بهدوء على مقربة من الحدود السودانية.
أثناء التصعيد الإثيوبي في الخطاب والتحركات على الأرض، انتقل التركيز إلى مخاطر خارجية وصراعات مفتوحة، في وقت تتوسع فيه أنشطة عسكرية قرب حدود السودان. ومع تداخل هذه المسارات، تصبح معسكرات التدريب أكثر من مجرد مواقع عسكرية؛ بل تتحول إلى نقاط ارتكاز في مشهد إقليمي أوسع.
ولا يقف الأمر عند حدود السودان وحده. فكل تحرك في بني شنقول أو تقراي، أو على مقربة من يابوس، ينعكس بطبيعة الحال على توازنات البحر الأحمر، وعلى علاقة إثيوبيا بمصر، وعلى مستقبل المنافذ البحرية التي ظل الحديث عنها حاضرًا في الخطاب السياسي الإثيوبي. المنطقة بأكملها تبدو وكأنها تعيد ترتيب أوراقها، بينما تتحرك الوقائع بهدوء وثبات.
وفي بني شنقول نفسها، فإن استمرار هذه الأنشطة يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الإثيوبي الداخلي، ويجعل الإقليم نقطة تماس بين الحسابات المحلية والتجاذبات الإقليمية.
هذه الممارسات والسياسات تؤدي إلى توترات أوسع تمس استقرار السودان والإقليم. ومع اتساع رقعة الأحداث، تتقاطع المصالح الإقليمية مع الحسابات المحلية، وتتحول الحدود إلى مساحات مفتوحة على احتمالات متعددة.
خلاصة القول ومنتهاه:
ما يجري، مسار يتحرك على أكثر من خط في وقت واحد، تتداخل فيه العواصم بالحدود، والخطاب السياسي بالتحركات الميدانية. وفي قلب هذا المشهد، يجد السودان نفسه أمام واقع متغير يحتاج إلى يقظة مستمرة، حتى لا تتحول تحركات الآخرين إلى معادلات جديدة تُفرض على أرضه، وتمتد آثارها إلى شرق السودان والبحر الأحمر وما وراءهما.











