
“حكومة الأمل” وترميم بيوت الوزراء: هل هي فعلاً حلول بديلة أم غسيل أموال؟
كتب/ طلال مدثر
النورس نيوز
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين الشارع السوداني والمراقبين، أعلنت الحكومة المعروفة إعلامياً باسم “حكومة الأمل” عن اعتماد حلول بديلة لتقليل نفقات سكن الوزراء، تمثلت في المساهمة مع المسؤولين في صيانة منازلهم الخاصة بنسبة محددة، بدلاً من استئجار سكن حكومي، وهو الإجراء الذي كان من المتوقع أن يكلف ميزانية الدولة حوالي 250 مليار جنيه شهرياً لو تم تنفيذه.
لكن رصد موقع السودان اليوم لهذه الخطوة يكشف أن ما وصفته الحكومة بـ”الحلول البديلة” قد يكون في الحقيقة تحويل أموال عامة إلى مصالح شخصية. فاختيار الصيانة بدلاً من الإيجار يضمن للمسؤولين استفادة مباشرة وطويلة الأمد، بينما الإيجار يذهب إلى مالك العقار، مما يجعل الأمر أقرب إلى استثمار عقاري على حساب الدولة، وهو ما يثير مخاوف حول مدى الالتزام باللوائح والقوانين.
وتشير القوانين الحالية، لا سيما لوائح إدارة الشراء والتعاقد الحكومي، إلى أن الدولة لا تمتلك أي سلطة لترميم عقارات خاصة بمسؤولين من ميزانية الطوارئ. أي تدخل في هذا الشأن يمثل تحويل الأموال العامة إلى “منفعة شخصية” وهو أمر محرم قانونياً، ويخرج عن نطاق صيانة الأصول الحكومية.
كما يلفت مراقبون إلى أن إدعاء المسؤولين بأنهم التزموا باللوائح هو محاولة لإيهام الرأي العام بأن هناك عقود رسمية خرجت من إدارة الشراء لصيانة المنازل، بينما الحقيقة تشير إلى أن هذه الإدارة تُستغل كواجهة لتحويل ميزانية الطوارئ إلى تحسينات عقارية ترفع قيمة أملاك المسؤولين، وهو تضارب مصالح صريح.
وفي الوقت نفسه، يظهر تضارب واضح بين تصريحات المسؤولين واعترافات رئيس الوزراء، الذي نفى علمه بوجود مبانٍ مستأجرة من الأساس، مما يثير تساؤلات حول مدى متابعة السلطة التنفيذية لما يحدث في وزاراتها، أو ما إذا كانت هذه المبالغ تُصرف خلف ظهره. هذه التناقضات تُظهر أسلوب “الاستغماية السياسية”، حيث تُمارس السلطة لعبة الإنكار لإيهام الشعب بعدم وجود المشكلة، بينما المواطن يعاني من تداعيات الأزمة الاقتصادية والإنسانية.
وفي السياق نفسه، يرى بعض المحللين أن حكومة الأمل، من خلال صرف مبالغ ضخمة لترميم بيوت الوزراء، تقتل مفهوم الأمل نفسه لدى المواطنين، حيث تتكدس الأزمات في العاصمة، والمرافق العامة مدمرة، والمواطنون مشردون، بينما تُصرف المليارات تحت ستار “اللوائح”، التي وُجدت أصلاً لحماية أموال الدولة ومبانيها وليس لتمويل المنافع الشخصية للنخبة الحاكمة.
ويضيف التقرير أن هذه الخطوة تعكس مرحلة متقدمة من التشظي بين المؤسسة السيادية والجهاز التنفيذي، خاصة مع توظيف الصحافة الرسمية لمقارنة إيجارات الوزراء في الخرطوم مع “دولارات” المسؤولين في بورتسودان، مما يشير إلى ابتزاز متبادل داخل دوائر السلطة، واستمرار سياسات “الهروب للأمام” لتبرير الممارسات المالية المشبوهة.








