مقالات

بعد أن أصبح الهمس صراعاً مكشوفاً… ما الذي وأد لجنة إبراهيم جابر؟ وهل يعود التوم هجو؟

النورس نيوز

بعد أن أصبح الهمس صراعاً مكشوفاً… ما الذي وأد لجنة إبراهيم جابر؟ وهل يعود التوم هجو؟

بقلم: يوسف عبدالمنان

السبت 14 فبراير 2026م _ النورس نيوز

لم يعد ما يدور داخل دوائر الحكم في السودان همساً متداولاً في المجالس الضيقة، بل تحول إلى صراع مكشوف تتبدى ملامحه في القرارات والاستقالات والتصريحات المتبادلة، وفي طريقة إدارة الملفات الكبرى داخل الدولة.

استقالة غير مألوفة

جاءت استقالة عضو مجلس السيادة الانتقالي الدكتورة سلمي عبدالجبار المبارك حدثاً نادراً في الحياة السياسية السودانية. ففي بلدٍ تعاقبت عليه الحكومات والانقلابات والثورات، قلّ أن يختار مسؤول مغادرة موقعه طوعاً، مهما تعاظمت الأخطاء أو اشتدت الضغوط.

قبول الاستقالة فتح باب التساؤل حول طبيعة المنصب ذاته، وحدود سلطاته، وعلاقة مجلس السيادة ببقية مؤسسات الحكم. فالمجلس، وفق الوثيقة الدستورية، يحمل صفة سيادية، لكنه بلا صلاحيات تنفيذية مباشرة، بينما تظل السلطة التنفيذية بيد الحكومة. غير أن الممارسة الفعلية خلال السنوات الماضية أظهرت تداخلاً في الصلاحيات وتعدد مراكز القرار، الأمر الذي أضعف هيبة الوثيقة وأربك المشهد السياسي.

السودان، تاريخياً، لم يعرف استقراراً دستورياً طويلاً. كل انقلاب كان يمزق ما قبله من مواثيق، وكل ثورة كانت تكتب دستوراً جديداً. والنتيجة وثيقة انتقالية وُلدت مثقلة بالهشاشة، فبدت أقرب إلى تسوية سياسية منها إلى عقد دستوري راسخ.

لجنة إبراهيم جابر… ولادة مربكة ونهاية غامضة

في قلب هذا الارتباك المؤسسي برزت لجنة الفريق ركن مهندس إبراهيم جابر إبراهيم، التي صدر قرار تشكيلها من مجلس الأمن والدفاع الوطني، لا من مجلس السيادة ولا من رئيس الوزراء. وهنا بدأ السؤال: هل لمجلس الأمن والدفاع سلطة تنفيذية تعلو على الحكومة المدنية؟

اللجنة نشطت في ظل غياب مجلس الوزراء عن العاصمة، وأدت دوراً بدا استثنائياً في ظرف استثنائي فرضته الحرب. لكن مع عودة رئيس الوزراء ومجلسه، كان يفترض – منطقياً ومؤسسياً – أن ترفع اللجنة تقريرها وتعلن انتهاء مهمتها.

غير أن ما حدث كان مختلفاً. خطاب وزيرة شؤون مجلس الوزراء، الذي قيّد مشاركة الوزراء في أي لجان لم يصدر قرارها من رئيس الوزراء، شكّل عملياً سحباً للغطاء السياسي والتنفيذي من اللجنة. فبغياب الوزراء ودوائرهم، تفقد أي لجنة أدوات التنفيذ، وتتحول إلى إطار بلا أذرع.

وهكذا، ماتت اللجنة بصمت إداري، لا بقرار حلٍ معلن. نهاية تعكس عمق الأزمة بين مستويات الحكم، وتكشف هشاشة التنسيق بين المؤسستين السيادية والتنفيذية.

تصريحات الدولار… إصلاح أم صراع؟

زاد المشهد تعقيداً حديث الفريق إبراهيم جابر عن استئجار مقرات حكومية بالدولار، في وقت يواجه فيه الجنيه السوداني ضغوطاً كبيرة. التصريح أحدث صدمة في الرأي العام، وطرح سؤالاً مشروعاً حول الالتزام بالعملة الوطنية.

غير أن توقيت التصريح أثار تساؤلات أخرى: هل كان الهدف تصحيح مسار مالي خاطئ؟ أم أنه جاء في سياق احتدام الخلافات، فتحول من أداة إصلاح إلى رسالة سياسية؟

 

 

 

 

المشكلة هنا ليست في مضمون الحديث فحسب، بل في أثره على صورة الدولة. فالخلافات العلنية بين أركان الحكم، في ظل حرب وأزمة اقتصادية خانقة، قد تضعف الثقة الداخلية والخارجية معاً.

الحرب… غطاء التماسك المؤقت

الحرب التي اندلعت في أبريل الماضي فرضت تماسكاً ظاهرياً بين القيادات العسكرية والسيادية. فالخطر المشترك يؤجل الخلافات، لكنه لا يلغيها. ومع أي انفراج عسكري محتمل، قد تطفو التباينات إلى السطح بصورة أوضح.

التاريخ السوداني يخبرنا أن التحالفات المرتبطة بالضرورة الأمنية غالباً ما تتصدع بمجرد انقضاء الظرف الاستثنائي.

هل يعود التوم هجو؟

استقالة سلمي عبدالجبار أعادت إلى الواجهة اسم التوم هجو، أحد الموقعين على اتفاق جوبا وصاحب حضور جماهيري سابق عبر الحزب الاتحادي الديمقراطي. هجو كان من الأصوات الداعمة لتحركات 25 أكتوبر، لكنه وجد نفسه خارج دوائر التأثير لاحقاً.

 

 

 

 

 

السؤال المطروح الآن: هل تفتح الاستقالة نافذة لإعادة ترتيب التوازنات داخل مجلس السيادة؟ وهل يفضّل رئيس المجلس الفريق أول عبد الفتاح البرهان الإبقاء على معادلة الراهن، أم أنه سيستعين بشخصيات ذات ثقل سياسي أوسع لتعزيز شرعية المرحلة؟

في المقابل، يظل مبارك أردول لاعباً يحافظ على خطوط اتصال مفتوحة، بينما اتجه آخرون إلى مواقف إقليمية مثيرة للجدل، ما يعكس سيولة المشهد السياسي وتحولاته السريعة.

ختاماً

ما بين استقالة مفاجئة، ولجنة انتهت بلا إعلان رسمي، وتصريحات مالية أثارت جدلاً، تتكشف ملامح مرحلة جديدة داخل السلطة الانتقالية. مرحلة لم يعد فيها الصراع مجرد همس في أروقة الحكم، بل أصبح خطاباً علنياً يتطلب إدارة أكثر حكمة ووضوحاً.

السودان اليوم لا يحتمل صراع مراكز القوى بقدر ما يحتاج إلى وضوح الصلاحيات، واحترام المؤسسات، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. فالشعب الذي انتظر طويلاً إصلاحاً حقيقياً، قد لا يصبر أكثر على سلحفائية الأداء أو تضارب الرسائل.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد إعادة ترتيب داخل بيت السلطة، أم أن الخلافات ستظل مؤجلة إلى ما بعد الحرب؟

 

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى