مقالات

شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة “جيش واحد، شعب واحد”

شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة “جيش واحد، شعب واحد”

بقلم: سهير عبد الرحيم

في قاعة مجلس السلم والأمن الأفريقي بأديس أبابا، لم تكن الجلسة عادية، ولم تكن الكلمات مجرد خطابات بروتوكولية تُلقى ثم تُنسى. كان في الأجواء شيء مختلف، توتر ظاهر، وترقب صامت، وإحساس بأن ما سيُقال داخل القاعة سيتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى مواقف أكثر صراحة وحدّة.

وصل موكب وزير الخارجية السوداني وطاقم البعثة والسفارة مبكراً، قبل نصف ساعة من انطلاق الجلسة. بدا المشهد منظماً وواثقاً، وكأن الوفد جاء مدركاً لحساسية اللحظة وأهمية ما سيُطرح. داخل القاعة، كانت الحركة لا تهدأ؛ وزراء خارجية، دبلوماسيون، إعلاميون، وعدسات كاميرات تترقب كل إشارة وكل التفاتة.

لفت انتباهي الاستقبال الحار الذي حظي به وزير الخارجية السوداني السفير محي الدين سالم. صافح هذا، وعانق ذاك، وتبادل كلمات مقتضبة مع آخرين. كان واضحاً أن للرجل رصيداً من العلاقات والتقدير داخل الإقليم، وأن حضوره لم يكن هامشياً في هذه الجلسة.

لكن اللحظة التي غيّرت إيقاع القاعة كانت مع كلمة وزير الخارجية المصري. تحدث بنبرة قوية وحادة، متجاوزاً العبارات الدبلوماسية المعتادة، ومسميّاً الأشياء بأسمائها. كرر أكثر من مرة عبارة “الحكومة الشرعية الوحيدة في السودان”، وأكد في مواضع عدة توصيفه لقوات الدعم السريع بـ”الميليشيا”. لم تكن كلمته عابرة، بل حملت رسائل سياسية واضحة لا لبس فيها.

وللحظة – وأقولها بصراحة – شعرت أن الرجل يكاد يهتف داخل القاعة “جيش واحد، شعب واحد” من فرط حماسه وانفعاله. كانت العاطفة حاضرة بقوة، حتى أنه توقف برهة محاولاً تذكر اسم رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، فقال “بروفيسور أدريس”، قبل أن يستدركه مرافقه من الخلف، فيصحح الاسم، فيعود ويقول “كامل إدريس”. مشهد إنساني عابر، لكنه عكس حجم التفاعل والانخراط في الموضوع.

أما كلمة وزير الخارجية السوداني فجاءت مختلفة في الأسلوب، شاملة في المحتوى، حاول فيها رسم تسلسل للأحداث منذ قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر، مروراً باستقالة عبدالله حمدوك، وصولاً إلى اندلاع الحرب وتعيين حكومة كامل إدريس. تحدث بثقة، مستدعياً النصوص والمواثيق، ومشيراً إلى ما اعتبره “اختلالاً في المعايير” حين تم تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.

ومن بين أكثر النقاط إثارة للجدل، تأكيده أن توصيف “الانقلاب” – وفق ميثاق الاتحاد – لا ينطبق على ما جرى، لأن الانقلاب يعني الاستيلاء على السلطة من حكومة منتخبة، وهو ما لم يحدث بحسب طرحه، باعتبار أن رئيس الوزراء السابق لم يأت عبر انتخابات شعبية. كان حديثه موجهاً بدقة، ليس فقط للحاضرين في القاعة، بل للرأي العام الإقليمي والدولي.

المفارقة أن الوزير السوداني تحدث من مقعده لا من المنصة، ما أربك طواقم التصوير التي لم تكن مستعدة لبدء الكلمة من ذلك الموقع. تحرك المصورون على عجل، بحثاً عن زاوية مناسبة، بينما كانت الكلمة قد مضت في بدايتها. مشهد بسيط، لكنه أضفى شيئاً من الحيوية على الجلسة.

عقب انتهاء الكلمة، ضجت القاعة بالتصفيق، ثم أُعلن إغلاق الجلسة، وطُلب من وسائل الإعلام مغادرة القاعة. انتهى الجزء العلني، لكن الإحساس بأن ما جرى لم يكن عادياً ظل حاضراً.

وفي لحظة جانبية، وخلال التقاط صورة تذكارية لطاقم السفارة السودانية، طلب مني وزير الخارجية الانضمام إلى الصورة. شعرت بشيء من الحرج؛ فلست ضمن طاقم السفارة، لكنني أدركت في تلك اللحظة أننا، على اختلاف مواقعنا، نلتقي في همّ وطني واحد، وفي رغبة صادقة بأن يرى السودان طريق الاستقرار والوضوح.

ما خرجت به من تلك الجلسة أن السودان لم يعد يُناقش في الغرف المغلقة فقط، بل صار محوراً لتجاذبات علنية ومواقف حادة. الكلمات لم تكن باردة، والمصطلحات لم تكن محايدة. كان كل طرف يدرك أن ما يقوله سيُحسب عليه، وأن التاريخ سيسجل هذه اللحظات.

قد نختلف في التقييم، وقد تتباين القراءات، لكن ما شهدته يؤكد أن الملف السوداني بات في صدارة الاهتمام الأفريقي، وأن لغة المرحلة لم تعد تحتمل كثيراً من الغموض. بين الحماسة المصرية، والدفاع السوداني، وتصفيق القاعة، بدا واضحاً أن السودان يقف عند مفترق طرق، وأن صوته – هذه المرة – كان مسموعاً.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى