القاهرة تعيد فتح بوابة التكامل: بروتوكول جمركي مصري سوداني يؤسس لمرحلة تعظيم الإيرادات وبناء القدرات
القاهرة تعيد فتح بوابة التكامل: بروتوكول جمركي مصري سوداني يؤسس لمرحلة تعظيم الإيرادات وبناء القدرات
كتب: محمد عثمان الرضي
بعد سنوات من التوقف والركود، تعود مسيرة التكامل الجمركي بين السودان ومصر إلى مسارها الطبيعي عبر خطوة عملية تعكس وعياً متقدماً بأهمية الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
شهدت القاهرة توقيع بروتوكول تعاون إستراتيجي بين مصلحة الجمارك المصرية وقوات الجمارك السودانية، في حدث يحمل أبعاداً فنية واقتصادية تتجاوز الإطار الشكلي للاتفاقيات التقليدية.
هذا البروتوكول يؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق المؤسسي القائم على تبادل التدريب ونقل الخبرات وتكامل التجارب المهنية بين الجانبين.
أهمية الاتفاق تتضاعف في هذا التوقيت الذي يواجه فيه السودان تحديات اقتصادية معقدة تتطلب تعظيم موارده الذاتية وتقليل الاعتماد على المنح والمساعدات.
تقديرات رسمية تشير إلى أن نحو 60% من إيرادات الخزينة العامة في السودان تأتي عبر عائدات ورسوم الجمارك المفروضة على الصادرات والواردات.
هذا الرقم يكشف بوضوح أن الجمارك ليست مجرد مرفق إداري، بل ركيزة أساسية في استقرار المالية العامة للدولة.
أي خلل في الأداء الجمركي ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في الإيفاء بالتزاماتها التنموية والخدمية.
من هنا تصبح عملية تطوير الأداء الجمركي ضرورة إستراتيجية وليست خياراً إدارياً قابلاً للتأجيل.
التحديث يتطلب مراجعة شاملة للإجراءات واللوائح بما يواكب المعايير الدولية في مجالات إدارة المخاطر والرقابة والتخليص.
العنصر البشري يظل حجر الأساس في أي عملية إصلاح، إذ لا قيمة للأنظمة الحديثة دون كوادر مؤهلة قادرة على إدارتها بكفاءة.
فكرة توقيع الاتفاق مع الجانب المصري انطلقت من الحاجة إلى الاستفادة من الخبرات المتراكمة في مجالات التدريب والتأهيل المهني.
التعاون المرتقب يشمل تنظيم دورات تخصصية وورش عمل مشتركة تسهم في رفع كفاءة منسوبي الجمارك السودانية.
كما يفتح المجال أمام تبادل الزيارات الميدانية للاطلاع على التجارب التطبيقية في المنافذ الجمركية.
البروتوكول يعزز كذلك آليات تبادل المعلومات بما يسهم في إحكام الرقابة على حركة السلع والحد من التهريب.
تحسين منظومة تبادل البيانات بين البلدين من شأنه تقليل الفاقد في الإيرادات وتسريع إجراءات التخليص.
التكامل الجمركي يمثل مدخلاً عملياً لتنشيط حركة التجارة البينية التي لم تبلغ بعد المستوى المأمول قياساً بعمق العلاقات الثنائية.
الخطوة تعكس تحولاً نحو الاهتمام بالملفات الفنية بوصفها محركات حقيقية للاقتصاد، بعيداً عن الشعارات السياسية.
نجاح الاتفاق مرهون بوجود آليات متابعة واضحة تقيس الأداء وتضمن تنفيذ ما تم الاتفاق عليه وفق جداول زمنية محددة.
كما يتطلب الأمر إرادة إدارية صارمة لمكافحة الفساد والحد من أي مظاهر ترهل داخل المنظومة الجمركية.
تعظيم الإيرادات لا يتحقق عبر زيادة الرسوم فقط، بل عبر تبسيط الإجراءات وبناء الثقة مع مجتمع الأعمال والمستثمرين.
السودان اليوم في حاجة إلى كل شراكة إقليمية تعزز قدرته على الصمود الاقتصادي وتدعم مسار الإصلاح المؤسسي.
ويبدو أن بروتوكول التكامل الجمركي الموقع في القاهرة يمثل انطلاقة جادة نحو مرحلة جديدة عنوانها بناء القدرات وتعظيم الموارد وترسيخ التعاون المهني بين البلدين.









