عثمان ميرغني يكتب: إن جئتم للحق.. أفريقيا على حق
بقلم: عثمان ميرغني
النورس نيوز _ ليس من السهل على دولة بحجم وتاريخ السودان أن تبقى خارج مقعدها الطبيعي في الاتحاد الأفريقي، بينما تمر بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وخطورة. غير أن قرار مجلس السلم والأمن الأفريقي برفض فك تجميد عضوية السودان لم يكن مفاجئاً لمن يتابع مسار الأحداث منذ 25 أكتوبر 2021، بل جاء منسجماً مع معايير ظل الاتحاد يتمسك بها بلا مواربة.
الحقيقة التي قد تبدو مُرة للبعض أن الشروط التي يطلبها الاتحاد الأفريقي ليست تعجيزية، ولا تمثل تدخلاً خارجياً في الشأن الداخلي بقدر ما تعكس مبادئ تأسس عليها الاتحاد نفسه، وفي مقدمتها رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات. استعادة مؤسسات الدولة المدنية، وتشكيل المجلس التشريعي، واستكمال هياكل القضاء والنيابة، وصولاً إلى انتخابات حرة تنهي المرحلة الانتقالية، ليست مطالب خارجية، بل استحقاقات وطنية قبل أن تكون أفريقية.
المفارقة أن هذه المطالب هي ذاتها التي جرى التعهد بها في بيانات رسمية أعقبت إجراءات أكتوبر. قيل يومها إن مؤسسات الدولة ستُستكمل خلال فترة وجيزة، وإن المسار سينتهي إلى حكم مدني وانتخابات. لكن السنوات مضت، وتعقّدت الأوضاع، وبقيت مؤسسات الانتقال معلّقة بين الوعد والواقع.
القول إن أفريقيا مخطئة لأنها لم تُعد المقعد للسودان يتجاهل أن الاتحاد لم يفعل أكثر من التمسك بقواعده. فالدول لا تُدار بالنوايا ولا بالبيانات، بل ببناء مؤسسي واضح يطمئن الداخل قبل الخارج. ولو شُكلت مؤسسات الدولة حتى مع وجود جدل حول أدائها، لكان ذلك أفضل من بقائها غائبة تماماً عن المشهد.
السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى عمقه الأفريقي، ليس من باب الرمزية، بل من باب المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. العودة إلى مقعده تعني استعادة نافذة دبلوماسية مهمة، وتخفيف العزلة، وفتح مسارات دعم إقليمي هو في أمسّ الحاجة إليه. لكن هذه العودة لا تُمنح مجاناً، بل تُستحق عبر خطوات واضحة تعيد ترتيب البيت من الداخل.
إن استكمال مؤسسات الحكم المدني ليس فقط مدخلاً لرفع التجميد، بل هو شرط أساسي لإطفاء نيران الصراع، وبناء أرضية صلبة لأي عملية سياسية جادة. والرهان على تجاوز هذه الاستحقاقات أو القفز فوقها لن يُنتج سوى مزيد من التعقيد.
ربما يكون من الأسهل اتهام الخارج بالتشدد، لكن إن جئنا للحق، فإن الطريق إلى استعادة المقعد يبدأ من الخرطوم لا من أديس أبابا. أفريقيا لم تضف شرطاً جديداً، ولم تغيّر قواعدها لأجل السودان. الكرة في ملعبنا، والقرار في النهاية قرارنا.
إن أردنا أن نعود إلى حضن القارة، فعلينا أولاً أن نُكمل بناء دولتنا على أسس مؤسسية واضحة، فهذه مصلحة وطنية قبل أن تكون استجابة لقرار قاري.









