موقف صمود بين الإصلاح الإجرائي وأزمة التأسيس:
بروفسور/خالد كودي
يعبّر بيان تحالف “صمود” الصادر في 12 فبراير 2026، عقب اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي، عن موقف إيجابي من حيث الشكل السياسي والدبلوماسي؛ إذ يثمّن تمسّك الاتحاد الإفريقي برفض الانقلابات منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، ويؤكّد غياب الحل العسكري، ويدعو إلى هدنة إنسانية شاملة، وإلى حلّ سياسي توافقي بقيادة وملكية سودانية.
ويمكن تلخيص أهم مضامين البيان/الموقف في النقاط التالية:
١/ الترحيب بموقف الاتحاد الإفريقي الرافض لرفع تعليق عضوية السودان.
٢/ التأكيد على عدم وجود حل عسكري للنزاع.
٣/ الدعوة إلى هدنة إنسانية عاجلة في جميع أنحاء البلاد.
٤/ المطالبة بحل سياسي توافقي بقيادة سودانية.
٥/ التأكيد على أهمية تنسيق المبادرات الدولية والإقليمية.
٦/ رفض المبادرات الأحادية، خاصة مبادرة سلطة بورتسودان.
٧/ إعلان الاستعداد للانخراط في الجهود الإفريقية والدولية لإحلال السلام.
٨/ التركيز على حماية المدنيين ومعالجة الأزمة الإنسانية.
غير أنّ هذا البيان/الموقف—على أهميته التكتيكية والمرحلية—يكشف، عند قراءته قراءة معمّقة، عن قصورٍ بنيوي في فهم طبيعة الأزمة السودانية رقم الادعاء. فهو يعكس استمرار قطاع واسع من النخب النيلية المدنية في الارتهان لمنطق الإصلاح الجزئي وإدارة الأزمة، بدل تبنّي أفق تأسيسي يعالج جذور الحروب وبنية الدولة معًا. بل إن هذا الخطاب، في بعض مستوياته، يساهم—عن قصد أو غير قصد—في تزييف أسباب الصراع، واختزالها في مظاهرها السياسية والأمنية المباشرة.
فالأزمة في السودان- يانخبه- ليست مجرّد انقلاب ينبغي إدانته، ولا نزاعًا مسلّحًا يجب وقفه، ولا مأساة إنسانية تستدعي الإغاثة وحسب. إنها، في جوهرها، أزمة نموذج دولة تشكّل تاريخيًا منذ الاستقلال على الإقصاء، وتفويض العنف، واحتكار السلطة، وتهميش الأطراف، وإنتاج مواطنة غير متكافئة. وأي خطاب سياسي لا ينطلق من هذا التشخيص الجذري يظلّ—مهما حسنت نواياه—جزءًا من إدارة الأزمة، لا من تفكيكها.
أولًا: الاكتفاء بالشرعية الإجرائية بدل مساءلة الدولة
يركّز موقف وبيان “صمود” على رفض الانقلاب، واحترام نظم الاتحاد الإفريقي، والدعوة إلى “حل سياسي توافقي”. غير أنّه يتجنّب السؤال المركزي: على ماذا يتمّ هذا التوافق؟ وأي دولة يُراد استعادتها؟ وأي نموذج حكم يُراد ترميمه؟ وأي شرعية يُعاد إنتاجها؟
فالحديث عن “التغييرات الدستورية” بمعزل عن نقد الدساتير نفسها، وعن السياق السلطوي الذي صيغت داخله، يعيد إنتاج وهمٍ قديم: وهم أن الأزمة تُحلّ بإرجاع المسار إلى ما قبل 2021، وكأنّ الدولة في تلك المرحلة كانت دولةً عادلة، أو مستقرة، أو قابلة للحياة لكل السودانيين.
والحقيقة أن المرحلة الراهنة تتطلّب شجاعة فكرية وسياسية تتجاوز ما تطرحه النخب الحالية، نحو مساءلة جذرية لبنية الدولة ذاتها، بدل الاكتفاء بترميم واجهاتها القانونية
وتُظهر التجارب التاريخية المقارنة أن النخب التي واجهت لحظات وجودية كبرى—كما في جنوب إفريقيا بعد الفصل العنصري، أو في الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية، أو في رواندا بعد الإبادة—لم تكتفِ باستعادة الشرعية الإجرائية، بل ارتفعت إلى مستوى اللحظة التاريخية، وفرضت قطيعة دستورية وأخلاقية مع الماضي، وأعادت تعريف الدولة من جذورها، فلماذا تصر النخب في صمود على التكلس؟
الموقف الحاسم من التاريخ يقتضي تبنّي أفقٍ بديل يقوم على مبادئ فوق دستورية تقطع مع دولة القهر والعنف والعنصرية. فاللحظة الراهنة لا تحتمل حلولًا جزئية، لأن الأزمة ليست في خرق الدستور فحسب، بل في الدساتير ذاتها حين تُنتَج داخل “دولة الغَلَبة”، وتُوظَّف لتكريس الامتياز بدل ترسيخ المواطنة.
من هنا، يصبح الانطلاق من مفهوم المبادئ فوق الدستورية ضرورةً تاريخية لا تتطرفا ولا ترفًا نظريًا، باعتباره الشرط الجوهري لمنع إعادة إنتاج الانقلابات والحروب، وتحصين الدولة ضد الردّة والاستبداد.
وتقوم هذه المبادئ، في جوهرها، على:
١/ المواطنة المتساوية بلا تمييز،
والوحدة الطوعية، ٢/ علمانية الدولة،
٣/ اللامركزية الحقيقية،
٤/ العدالة التاريخية،
٥/ بناء مؤسسة عسكرية جديدة على أسس وطنية مهنية.
وتشكّل هذه المرتكزات، في منظور أي مشروع لسودان جديد، الأساس الواقعي لأي انتقال مستقر، لا مجرد العودة إلى ترتيبات سياسية هشّة سرعان ما تنهار عند أول اختبار.
ثانيًا: غموض مفهوم “الحلّ التوافقي” في لحظات التأسيس
يتحدّث بيان “صمود” عن “حلّ سياسي توافقي بقيادة وملكية سودانية” من دون تحديد طبيعته، أو أسسه، أو أفقه الدستوري. وهذا الغموض ليس مسألة لغوية، بل خلل بنيوي؛ لأن لحظات التأسيس لا تُدار بالشعارات العامة، بل بتحديد واضح لمشروع الدولة المراد بناؤها.
الإشكال ليس في “التوافق” بوصفه أداة سياسية، بل في التوافق داخل دولة لم تُفكَّك بنيتها السلطوية. ففي هذه الحالة، يتحوّل إلى صفقة بين نخب، لا إلى عقد اجتماعي بين مواطنين، ويغدو إعادة توزيع للسلطة داخل الإطار القديم، لا إعادة تعريف للإطار ذاته.
نبّه أنطونيو غرامشي إلى هذا النمط عبر مفهوم “الثورة السلبية”، حيث تُحتوى طاقة التغيير داخل تسويات فوقية تُبقي الهيمنة قائمة. وحذّر فرانز فانون من استبدال المستعمِر بنخبة محلية من دون تفكيك جهاز الدولة. وميّزت حنّة آرنت بين التأسيس والإدارة، مؤكدة أن لحظات الميلاد السياسي لا تُدار بمنطق التسويات التقنية، بل بإعادة تعريف المجال السياسي نفسه…ولكن نحب السودان للأسف، مكانك سر!
التجربة السودانية: توافق بلا قطيعة
يعكس التاريخ السوداني هذا المأزق بوضوح:
١/ بعد ثورة أكتوبر 1964 أُعيد ترتيب السلطة دون مساءلة بنية الدولة
٢/ بعد انتفاضة أبريل 1985 عادت التوازنات القديمة بصيغة معدّلة
٣/ بعد ثورة ديسمبر 2018 أُنتجت شراكة مدنية–عسكرية انتهت بانقلاب 25 أكتوبر 2021
في كل محطة، طُرح “التوافق” باعتباره حلًا واقعيًا، لكنه كان تسوية مؤقتة تؤجّل الانفجار البنيوي!
إفريقيا وآسيا: بين التسوية والتحوّل
تُظهر التجارب المقارنة نمطًا ثابتًا: فالتسويات التي أوقفت العنف دون تفكيك البنية السلطوية—كما في كينيا (2008) وزيمبابوي (2009)—أنتجت استقرارًا مؤقتًا وهشًّا. وفي إثيوبيا بعد 2018، قادت إصلاحات من داخل الدولة، دون معالجة إرث المركزية، إلى انفجار جديد للصراع.
في المقابل، ارتبط التحوّل الحقيقي بقطيعة دستورية ومؤسسية: في جنوب إفريقيا بدستور جديد أنهى الأبارتايد، وفي رواندا بإعادة هيكلة شاملة للدولة والهوية الوطنية، وفي إندونيسيا ونيبال بإصلاح دستوري ولا مركزية وتقييد دور الجيش. أما في ميانمار، فقد انتهى “التوافق الهجين” بانقلاب 2021 نتيجة الإبقاء على الموقع السياسي للمؤسسة العسكرية.
تؤكد هذه التجارب أن التوافق، بذاته، لا يصنع تحولًا ما لم يقترن بإعادة تأسيس.
حين يتحوّل “التوافق” إلى عائق
يبيّن التاريخ الحديث أن التوافق ليس قيمة مطلقة. ففي اللحظات التي تكون فيها الأزمة كامنة في بنية الدولة نفسها—كالعبودية، والاستعمار، والفصل العنصري، واحتكار الحزب الواحد، وعسكرة السياسة—يصبح “الحل الوسط” آلية لإدامة الظلم لا لتجاوزه.
في الولايات المتحدة، لم تُحَلّ معضلة الرق بتسوية، بل بقطيعة دستورية أعادت تعريف المواطنة والحقوق (1865–1870). وفي حركة الحقوق المدنية، لم تتحقق المساواة بإصلاحات جزئية، بل برفض المساومة على الحقوق الأساسية (1964–1965). وفي جنوب إفريقيا، لم يُصلَح الأبارتايد، بل أُسقِط قانونيًا ودستوريًا. وفي الهند، أنهى الاستقلال والدستور منطق “السيادة الناقصة” بدل ترميمه. أما في أوروبا الشرقية بعد 1989، فجاء التحول من تفكيك دولة الحزب الواحد لا من تقاسم شكلي للسلطة!
الخلاصة:
يصبح التوافق عائقًا حين تكون الأزمة أزمة تأسيس لا أزمة إدارة. ففي هذه الحالات، لا يكون الحل داخل البنية القديمة سوى اتفاق على استمرارها، ويغدو “الاستقرار” تسميةً مؤدّبة لتأجيل العدالة.
لقد أُنجزت التحولات الكبرى بمنطق إعادة التأسيس لا التهدئة: إما قطيعة تعيد تعريف الدولة والمواطنة والحقوق، أو توافق يمنح النظام القديم عمرًا إضافيًا—وغالبًا صراعًا إضافيًا!
الدرس النظري والسياسي
حذّرت روزا لوكسمبورغ من أن الإصلاح حين يحلّ محل التحول يؤجّل الانفجار. وميّز جون رولز بين توافق داخل إطار عادل وتسوية داخل إطار ظالم. وأكّد مانديلا أن المصالحة لا تعني الاحتفاظ بأدوات القمع، بل تفكيكها!
القاعدة العامة هي: حين تكون بنية الدولة مولّدة للظلم، فإن التوافق داخلها يعيد إنتاجه.
السودان والسؤال المفتوح
في الحالة السودانية، يظل السؤال الجوهري قائمًا:
على ماذا يتمّ التوافق؟
هل هو توافق على إعادة إنتاج دولة الغلبة بصيغة مخففة؟
أم توافق على مشروع دولة جديدة تفكك المركزية، وتعيد تعريف الجيش، وتؤسس لمواطنة متساوية؟
التوافق الحقيقي ليس اجتماع نخب، بل اتفاق مجتمعي على أسس جديدة: دولة علمانية، لا مركزية، ديمقراطية، قائمة على العدالة التاريخية.
من دون تحديد هذا الأفق بوضوح، سيبقى “الحل التوافقي” شعارًا فارغًا، وأداة لإدارة الأزمة لا لتفكيكها، وستظل الدائرة تعيد إنتاج نفسها مهما تغيّرت الواجهات.
ثالثًا: وهم “الحياد” وتشويش الحقيقة القانونية
يصف بيان “صمود” موقف الاتحاد الإفريقي بـ”الحياد”، متجاهلًا حقيقة قانونية واضحة: تجميد عضوية السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 لم يكن موقفًا سياسيًا، بل تنفيذًا مباشرًا للوائح الاتحاد التي ترفض الاعتراف بأي سلطة جاءت عبر انقلاب. ووفقًا للميثاق التأسيسي، وإعلان لومي، والإطار الإفريقي للحكم، يقوم موقف الاتحاد على مبدأ عدم التسامح مع التغييرات غير الدستورية، ما يجعل التجميد التزامًا قانونيًا لا خيارًا دبلوماسيًا.
وكان الأجدر بجسم مدني مثل “صمود” أن ينطلق من هذا الأساس القانوني الواضح: تعليق عضوية السودان ليس محل تفاوض، بل نتيجة مباشرة لانعدام الشرعية الدستورية. ولا معنى للحديث عن حياد ما دامت المشكلة هي وجود سلطة انقلابية.
إن ما تجنيه بعض النخب من هذا الخطاب الملتبس هو إبقاء الأزمة في منطقة رمادية تسمح بالمساومة، وتجنّب القطيعة مع السلطة العسكرية، والحفاظ على مواقعها داخل معادلات قديمة، بدل الانحياز الثوري الصريح لإعادة بناء الدولة على أسس الشرعية والمواطنة.
رابعًا: تغييب العدالة التاريخية وتحويل المأساة إلى “ملف إنساني” بلا جذور
يلفت النظر أنّ بيان/موقف “صمود”—كعادته—يتجنّب تمامًا مفردات العدالة التاريخية: لا ذكر لتفكيك التهميش البنيوي، ولا لإرث العبودية والاسترقاق، ولا للعُنصرية الثقافية والسياسية، ولا للحروب الطويلة التي حوّلت الأطراف إلى مسارح دائمة للعنف، بينما ظلّ المركز يراكم السلطة والثروة ويحتكر تعريف “الوطن”.
هذا الغياب ليس سهوًا لغويًا، بل علامة على قصور مقصود في التشخيص: فالبيان يتحدّث عن “الأزمة الإنسانية” و”حماية المدنيين”—وهما قضيتان لا خلاف على مركزيتهما—لكنّه يعزلهما عن تاريخ إنتاجهما. كأنّ الجوع والنزوح والقتل أعراض طارئة لسوء إدارةٍ آنيّ، لا نتائج متراكمة لنموذج دولة قام منذ الاستقلال على الإقصاء، وتفويض العنف، وتراتبيات المواطنة، وتوزيع غير عادل للموارد والفرص.
وهنا يظهر الفارق الجوهري مع مقاربة “تأسيس”. فـ”تأسيس” لا ترى العدالة التاريخية ملفًا لاحقًا يُؤجَّل إلى ما بعد “وقف الحرب”، بل تعتبرها ركيزة تأسيسية تُكتب في صلب العقد الجديد: لأن الحرب نفسها—في السودان—ليست حادثًا منفصلًا عن الدولة، بل إحدى أدوات استمرارها حين تُدار بالاحتكار والتفاوت والعنصرية. لذلك لا معنى لحديثٍ عن سلامٍ مستدام دون الاتي:
١/ اعترافٍ صريح بالمظالم التاريخية وتسمية مصادرها لا تدويرها،
٢/ إعادة توزيع السلطة والثروة بوصفهما جوهر إعادة التأسيس لا هبةً تنموية،
٣/ إعادة بناء العلاقة بين المركز والهامش على قاعدة المواطنة المتساوية، لا على منطق الرعاية والوصاية،
٤/ وتفكيك اقتصاد الحرب الذي نشأ من التهميش وتحوّل إلى بنية مصالح.
بهذا المعنى، إن فصل “الإنساني” عن “التاريخي” لا يحمي المدنيين؛ بل يُبقي شروط استباحة المدنيين قائمة—فيسهل استئناف الحرب، حتى لو توقفت مؤقتًا.
خامسًا: الارتهان للمبادرات الدولية وتغييب مشروع إعادة البناء الداخلي
يرحّب بيان “صمود” بتنسيق المبادرات الدولية ويضع الخماسية والرباعية في واجهة الحل، بما يعكس ميلًا واضحًا إلى إدارة الأزمة عبر الوساطة الخارجية أكثر من معالجتها من جذورها. لا جدال في أهمية الدور الدولي في الإغاثة والضغط الدبلوماسي وضمانات التهدئة، غير أن الإشكال يبدأ حين يتحوّل هذا الدور إلى بديل عن مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة من الداخل.
تُظهر التجربة السودانية أن المبادرات الخارجية تميل، بحكم منطقها، إلى إنتاج تسويات سريعة وقابلة للإدارة: وقف نار مؤقت، تقاسم سلطة هش، أو صيغ انتقالية رخوة. لكنها نادرًا ما تمسّ البنية التي صنعت الحروب: احتكار القوة، غياب الرقابة على المؤسسة العسكرية، اقتصاد الحرب، ومواطنة غير متساوية. لذلك لا تنتهي هذه التسويات إلى سلام، بل إلى هدنة تُرحِّل الانفجار التالي.
المقاربة الرشيدة لا تقوم على رفض الدعم الدولي، بل على ضبط وظيفته: أن يكون مساندًا، مسهلا وضامنًا، لا بديلًا عن الإرادة الوطنية. فإعادة بناء الدولة لا تُستورد عبر المبادرات، بل تُصاغ داخليًا عبر حسم أسئلة الشرعية، وطبيعة السلطة، وموقع الجيش، وأسس المواطنة.
جوهر الأزمة، إذن، ليس في غياب الوساطات، بل في غياب تبني مشروع داخلي واضح لإعادة صياغة العقد الاجتماعي. وما لم يُحسم هذا المسار من الداخل، ستظل كل مبادرة خارجية وان نجحت مجرّد إدارة مؤقتة لأزمة تتجدّد بصور مختلفة.
الخاتمة: لحظة تأسيس لا تحتمل التردّد
السودان اليوم لا يقف أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة تأسيسية تاريخية نادرة. الحروب الشاملة لا تترك الدول كما كانت؛ إمّا أن تُنتج قطيعة تُعيد تعريف الدولة والشرعية والجيش والمواطنة، أو تُعاد تدوير البنية القديمة بصيغ معدّلة، لتعود الدائرة من جديد.
إن خطاب الإصلاح الجزئي، والارتهان للتوافق الغامض، والاقتصار على إدارة الأعراض الإنسانية، قد يوفّر راحة سياسية مؤقتة، لكنه لا يرقى إلى مستوى التحدّي الوجودي الذي يواجهه السودان. المطلوب اليوم ليس تسوية تُرضي الجميع داخل الإطار القديم، بل شجاعة فكرية وسياسية للارتفاع إلى مستوى اللحظة: مساءلة الدولة ذاتها، لا فقط سلوك السلطة؛ إعادة تعريف الشرعية، لا فقط استعادتها؛ وبناء عقد جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والعلمانية، واللامركزية، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، والعدالة التاريخية.
على نخب “صمود”—إن أرادت أن تكون جزءًا من المستقبل لا من إدارة الماضي—أن ترتقي إلى هذا الأفق، وأن تكفّ عن تعطيل الأسئلة التأسيسية أو تأجيلها. فهذه ليست لحظة حياد أو تردّد، بل لحظة اختيار تاريخي: إمّا الانخراط في مشروع إعادة بناء الدولة من جذورها، أو الإسهام—عن قصد أو غير قصد—في إطالة عمر الأزمة.
التحولات الكبرى لا تنتظر من يخشى القطيعة. والتاريخ لا يرحم النخب التي تُفوّت لحظات التأسيس.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)











