مقالات

خارطة الطريق الغائبة في قرارات الحظر

خارطة الطريق الغائبة في قرارات الحظر

في خطوة وصفتها الدوائر الرسمية بأنها “جراحة عاجلة” لإنقاذ الجنيه السوداني المترنح، صدر القرار رقم (74) لسنة 2026م بحظر استيراد قائمة طويلة من السلع، تحت لافتة “السلع الكمالية”.
للوهلة الأولى، يبدو القرار وطنياً بامتياز، فمن منا لا يحلم برؤية عبارة “صنع في السودان” تزين مائدة طعامه؟ ومن منا لا يتمنى إيقاف نزيف العملة الصعبة التي تُهدر في سلع يمكن إنتاجها محلياً؟ ولكن، وبنظرة فاحصة بين سطور القرار، تطل علينا تساؤلات مشروعة تقلب الطاولة على التفاؤل المفرط.
لقد شملت القائمة سلعاً ليست “كمالية” بالمعنى الحرفي في ظل الواقع السوداني، فدخول “الصلصة، الأرز، والفول المصري” دائرة الحظر يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل نحن مستعدون؟ وهل توجد بدائل كافية تغطي الطلب الداخلي، أم أن أزمة غذائية تلوح في الأفق؟
الصناعة الوطنية بكل تأكيد تحتاج بنية تحتية، وطاقة مستقرة، وبيئة استثمارية جاذبة، والواقع يقول إن رجال الأعمال السودانيين غارقون اليوم في “حسابات الحقل والبيدر”؛ فبين مطرقة الضرائب الباهظة وسندان الرسوم الحكومية التي لا تنتهي، أصبح الاستثمار في التصنيع المحلي مغامرة غير مأمونة العواقب. فكيف ننتظر من مصانعنا تغطية الفجوة وهي تفتقر لأبسط مقومات الاستمرار؟
الحديث عن حظر استيراد الغذاء دون الحديث عن “مشروع الجزيرة” هو حرث في البحر، فالمشروع الذي كان يوماً سلة غذاء العالم، يئن اليوم تحت وطأة شح التمويل، وضعف التشريعات التي تضمن رفع الرقعة الزراعية، وضمان زراعة محاصيل استراتيجية مهمة، إذ كيف نحظر استيراد فول الفطور والعشاء والمزارع السوداني لا زال يبحث عن توفير “الضمانات السيادية” للحصول على تمويل لموسمه الزراعي؟ كما أن إيقاف الاستيراد دون “تمكين” المزارع وتحديث أدوات الإنتاج ليس إلا دعوة صريحة لغلاء طاحن وفجوة غذائية قد لا تحمد عقباها.
ومع كل هذه التحديات، تبرز معضلة “الواردات العالقة”، ما مصير آلاف الأطنان من البضائع التي تم شحنها بالفعل، ودفعت فواتيرها، وهي الآن ترابط في الموانئ أو على المعابر الحدودية؟ هؤلاء المستوردون الذين أبرموا صفقاتهم قبل صدور القرار، وخرجت “دولاراتهم” بالفعل من الدورة الاقتصادية، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة مقصلة إدارية مفاجئة.
بلا شك عدم وجود فترة سماح أو استثناء للبضائع التي “في الطريق” يعني ببساطة معاقبة القطاع الخاص مرتين، مرة بخسارة قيمة الفواتير المدفوعة سلفاً، ومرة بتكبد رسوم الأرضيات والغرامات في الموانئ، ولذلك أتوقع فترة سماح معقولة لأن هذا النوع من القرارات الفجائية يزعزع الثقة في البيئة الاستثمارية، ويحول التاجر من شريك في التنمية إلى ضحية لتبدلات السياسات، في حين كان الأجدى أن يسري الحظر على “الاعتمادات الجديدة” فقط، صوناً لحقوق الناس وضماناً لعدم إتلاف سلع دفع الوطن ثمنها بالعملة الصعبة مسبقاً.
خلاصة القول إن إغلاق أبواب الاستيراد أمام سلع استهلاكية أساسية قبل التأكد من جاهزية المصانع المحلية يعني ببساطة خلق “ندرة” في الأسواق، والندرة هي الوقود الأول للسوق السوداء والمضاربات، وبالتالي نحن بحاجة إلى خارطة طريق تبدأ من “الزرع” وتنتهي بـ “التصنيع”، وليس أن تنطلق من “الحظر” وتترك المواطن يواجه مصير أي فجوة غذائية وحده.
مؤكد أي قرار يشجع على توطين الصناعة وتوفير العملة الصعبة يجد مني الدعم، فضلاً على أن توطين الصناعة هدف نبيل، وحماية العملة ضرورة قصوى، لكنهما لن يتحققا بسياسة “الصدمة” وحدها، إن لم يردف هذا القرار بخفض الضرائب على المنتج المحلي، وفتح خزائن التمويل للمشروعات الزراعية وعلى رأسها مشروع الجزيرة، وتسهيل الإجراءات لرجال الأعمال، حتى لا يكون حالنا حال من يستبدل أزمة “ندرة عملة” بأزمة “ندرة طعام”، ومن المهم أيضاً جعل “المنتج المحلي” متاحاً، وبجودة منافسة، وسعر في متناول يد المواطن.

عزمي عبد الرازق

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى