أسامه عبد الماجد يكتب:
حكومة خلف الأبواب
0 في الدول التي تضع قيمة حقيقية لمواطنيها وتحترمهم.. تقاس قوة الحكومات بمدى وضوح قراراتها وشفافيتها.. وبقدرتها على مصارحة الناس بالحقائق دون التفاف أو غموض.. فالثقة لا تبنى إلا على الصدق والوضوح وعلى إشراك المجتمع في فهم السياسات التي تتخذ باسمه بعيداً عن الكواليس المغلقة.. لكن في المقابل اعتادت الحكومة على تجنب الإعلام وإخفاء الحقائق ومارست أساليب ملتوية تعمل في الظل بعيداً عن أعين الناس.. ومؤخراً غادر رئيس الوزراء كامل إدريس لقضاء عطلة عيد الفطر في جنيف دون إخطار الشعب السوداني.. ودون توضيح من يتولى إدارة شؤون الحكومة في غيابه.
0 أعلن المتمرد النور القبة تبرؤه من مليشيا أولاد دقلو بينما لا تزال يداه ملوثتين بآثار الدماء.. ومع ذلك لم تقدم الحكومة توضيحات كافية تكشف الحقائق للرأي العام رغم تزايد القلق الشعبي.. وقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بأنباء انتشار قواته في أم درمان.. في وقت ترك فيه المواطن فريسة للشائعات والخوف من مصير مجهول.
0 وأصدر كامل ادريس عشرات القرارات دون أن يطلع الشعب على مضمونها أو أهدافها أو الجهات المستفيدة منها..فعلى سبيل المثال صدر القرار رقم (81) بتاريخ 16 أبريل الجاري والذي تضمن إعفاء المفوض العام للجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي سيف الدولة كوكو.. وبالنظر إلى تسلسل أرقام هذه القرارات يتضح أن كامل يصدر ما يقارب 23 قراراً شهرياً.. وهو رقم يثير العديد من التساؤلات ويستدعي التوقف والتدقيق.
0 كما صدر قرار بتعيين وزيرة سابقة سفيرة في الخارجية بموجب القرار رقم (63) بتاريخ 31 مارس.. وبمعدل يقارب 21 قراراً شهرياً منذ بداية العام.. وعند المقارنة بين قراري السفيرة والمفوض أصدر إدريس 18 قراراً خلال 15 يوماً فقط، أي بمعدل قرار كل 20 ساعة تقريباً.. والأخطر أن كثير جداًمن هذه القرارات لا يصل إلى الرأي العام إلا عبر تسريبات صحفية أو اجتهادات إعلامية.. لا يبدو أن هناك تفسيراً لذلك سوى أن الحكومة منغلقة على نفسها تدير شؤون الدولة خلف أبواب مغلقة بعيداً عن أعين المواطنين.
0 هذا النهج لا يفضي إلا إلى تعزيز الشكوك وتعميق فجوة انعدام الثقة بين الحكومة والمواطن.. بحيث يصبح أي قرار – حتى وإن كان سليماً – محاطاً بالريبة ويفتقر إلى التأييد الشعبي.. يبدو أن الحكومة ترى في الشفافية ضعفاً، بينما تغفل أن بناء الثقة مع المواطنين هو الأساس لأي استقرار سياسي أو نهضة حقيقية.. ولذلك متي ستقترن الحكومة بشقيها السيادي والتنفيذي بالصدق لتنجب الشفافية ؟؟.
0 يبدو أن هناك ضعفاً واضحاً في تواصل الحكومة مع المواطنين حيث تترك الساحة الإعلامية للعلاقات الشخصية بين بعض الصحفيين والمسؤولين.. وحتى بين بعض الناشطات ومسؤولين.. تتعامل الحكومة مع الصحافة وكأنها طرف خصم ينبغي تجنبه، لا شريكاً أساسياً في نقل الحقيقة.
0 في أي دولة يعتبر الإعلام مرآة للسلطة وأداة محورية لشرح السياسات وتهيئة الرأي العام.. إلا أن الواقع الحالي يعكس حالة من التوجس يغلب عليها الإخفاء والتعتيم.. وأحيانًا الهروب من المواجهة فلا مؤتمرات صحفية منتظمة.. ولا بيانات تفصيلية ولا حتى توضيحات كافية عند اتخاذ قرارات مصيرية.. مثل ملف العلاقات الخارجية أو الحوار مع واشنطن.. الذي بات أقرب إلى حقل تجارب كما يظهر من إشراك شخصيات مثل أمجد فريد فيه.
0 لماذا تتجنب حكومة كامل التواصل المباشر مع المواطنين وتترك المجال للاجتهادات والتكهنات بدل أن تطرح المعلومة من مصدرها الرسمي بوضوح ؟
وللمقارنة يمكن النظر إلى نماذج مختلفة في إدارة التواصل الإعلامي حتى في الأمور الشخصية.. فقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قبل يومين بشكل صريح ومباشر أمام الصحفيين عن بدء إجازة أمومة استعداداً لاستقبال طفلها الثاني.. لم تلجأ إلى الغموض أو التسريبات بل خاطبت الإعلام بوضوح.. وقالت أن هذا سيكون ظهورها الأخير لفترة مؤقتة مع طمأنة الصحفيين بشأن استمرار سير العمل خلال غيابها.
0هذا المثال رغم بساطته يعكس علامة عميقة مفادها أن الشفافية لا ترتبط بحجم الحدث.. بقدر ما ترتبط بثقافة حكومة تحترم المواطن وحقه في المعرفة.. فإذا كانت بعض الحكومات تعلن حتى تفاصيلها الخاصة، فكيف يمكن تبرير استمرار الحكومة السودانية في حجب قرارات تمس مستقبل دولة بأكملها؟.. إن الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر دون تكلفة فغياب الشفافية يضعف الثقة العامة.. ويغذي انتشار الشائعات ويعمق الفجوة بين الحكومة والشعب.. ومن أبرز مظاهر ذلك ما يتداول من شائعات حول نية الحكومة الدخول في مفاوضات مع مليشيا أولاد دقلو.
0 حسناً.. لتجاوز ذلك يتوجب على الحكومة الإعلان الفوري عن قراراتها عبر منصات رسمية واضحة يتم تحديثها باستمرار.. مع عقد مؤتمرات صحفية منتظمة يطرح فيها الإعلام أسئلته بحرية ويتلقى اجابة عنها دون انتقائية.. كما ينبغي تفعيل دور المتحدث الرسمي ليكون قناة تواصل فعالة وحقيقية.. كذلك من المهم نشر تفاصيل القرارات وأسبابها قدر الإمكان.. وليس الاكتفاء بعناوين عامة بما يساعد المواطن على الفهم.. إضافة إلى ذلك يجب التعامل مع الإعلام كشريك في نقل الحقيقة.. ومنحه حق الوصول إلى المعلومات بما يرسخ الشفافية.
0 لا يمكن لأي دولة تعمل بعيداً عن الشفافية أن تطلب من شعبها الثقة والاطمئنان.. فالإفصاح والوضوح أساس استقرار أي حكومة ويجب ان تدرك الحكومة أن الصدق مع المواطنين مصدر قوة لها.
0 ومهما يكن من أمر.. المواطن لا يطلب المستحيل من الحكومة فقط يريد أن يعرف.
الاثنين 27 ابريل 2026
osaamaaa440@gmail.com







