حرب خفية في قطاع الوقود.. هل تُقصى محطات الوكلاء من السوق؟
بقلم: هاجر سليمان (النورس نيوز )
يتصاعد الجدل داخل قطاع الوقود في السودان على خلفية ما وصفه مراقبون بـ”حرب باردة” تدور بين إدارة شركة النيل للبترول ووكلاء محطات الوقود، في وقت حساس تعاني فيه البلاد من هشاشة الإمدادات وأي اضطراب قد يقود مباشرة إلى أزمة شاملة.
ورغم أن الإدارة الجديدة للشركة بدأت – بحسب متابعين – في تبني سياسات تستهدف تعزيز موارد الدولة، إلا أن طريقة تنفيذ تلك السياسات أثارت مخاوف واسعة، خاصة في ظل اتهامات باتباع نهج غير متوازن في التعامل مع محطات الوقود. ويشير وكلاء إلى أن ما يجري على الأرض يتجاوز مجرد إصلاحات تنظيمية، ليصل إلى تضييق ممنهج يهدد بخروجهم من السوق.
في السابق، كان نظام تشغيل المحطات يقوم على ثلاثة أنماط رئيسية، تشمل محطات تملك الأرض والمعدات، وأخرى توفر الأرض مقابل تجهيزات الشركة، وثالثة تُدار عبر عطاءات. وكان القاسم المشترك بينها هو توحيد السعر وإتاحة الدفع الآجل، ما خلق نوعاً من الاستقرار النسبي في الإمداد والتشغيل.
غير أن هذا التوازن بدأ في التآكل مع تطبيق السياسات الجديدة. إذ تفيد المعطيات بأن الفئتين الثانية والثالثة من الوكلاء واجهتا زيادات في أسعار الوقود المخصص لهما، مع إلغاء ميزة الدفع الآجل، إلى جانب فرض قيود على كميات السحب. في المقابل، تتمتع المحطات التي تديرها الشركة مباشرة بأسعار أقل، وسقوف سحب أعلى، إضافة إلى استمرار العمل بنظام الدفع الآجل.
هذا التباين انعكس بوضوح على هيكل التكلفة. فبحسب تقديرات متداولة، يحصل الوكلاء على الوقود بسعر يقارب 6399 جنيهاً للتر، بينما يُباع في محطات الشركة بسعر أقل يبلغ نحو 6300 جنيه. ومع تحديد سعر البيع للمستهلك عند 6449 جنيهاً، يصبح هامش الربح النظري ضئيلاً للغاية، بل يتحول فعلياً إلى خسارة عند احتساب الرسوم الولائية، وتكاليف الترحيل، والتبخر، والتشغيل.
في ظل هذه المعادلة، يرى وكلاء أن استمرارهم في العمل بات شبه مستحيل اقتصادياً، وهو ما يضع نحو 390 محطة وقود أمام خطر التوقف. وإذا حدث ذلك، فإن التداعيات لن تقتصر على خسارة استثمارات خاصة، بل قد تمتد إلى تعطيل شبكة الإمداد، وخلق ازدحام خانق بالمحطات، وربما إشعال أزمة وقود جديدة.
الانتقادات لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى التساؤل حول الأهداف غير المعلنة لهذه السياسات. فهناك من يعتقد أن الضغوط المفروضة قد تكون وسيلة لإجبار الوكلاء على الخروج من السوق أو بيع محطاتهم، ما يؤدي في النهاية إلى تركيز السيطرة بيد جهة واحدة، وهو سيناريو يحمل مخاطر احتكارية واضحة.
في المقابل، يقر البعض بأهمية إصلاح قطاع الوقود وضبطه، لكنهم يشددون على أن أي إصلاح يجب أن يقوم على مبدأ العدالة والتكافؤ بين جميع الأطراف، خاصة أن الوكلاء يمثلون جزءاً أساسياً من منظومة التوزيع ويسهمون في تحقيق التوازن بالسوق.
وبين هذا وذاك، تبرز الحاجة الملحة لإعادة تقييم السياسات الحالية، بما يضمن استقرار الإمداد، ويحافظ على استمرارية عمل المحطات، ويمنع انزلاق القطاع نحو أزمة جديدة. فالتعامل مع ملف حيوي مثل الوقود يتطلب حساسية عالية، لأن أي خلل فيه ينعكس مباشرة على حياة المواطنين والاقتصاد ككل.
في نهاية المطاف، تبقى المعادلة واضحة: لا يمكن تحقيق مصلحة الدولة عبر إضعاف أحد مكونات السوق الأساسية. فالتوازن، لا الإقصاء، هو الضامن الحقيقي لاستقرار قطاع حيوي بهذا الحجم والتأثير.







