مقالات

حديث المدينة | عثمان ميرغني يكتب: تسييس «العودة»

حديث المدينة | الخميس 12 مارس 2026

كلما التقيت بسودانيين خلال تجوالي اليومي، يبادرون بسؤال واحد كأنما متفق عليه بينهم.. لا ينتظرون مجرد إجابة عادية، نظراتهم كأنما تنتظر حكماً أو قراراً مصيرياً تتوقف عليه حياتهم: «متى نعود؟».
لا تكفيهم إجابتي: «قريباً إن شاء الله»، فيلاحقون بسؤال رديف: «متى بالضبط؟».
العودة إلى الوطن والديار في نفوس السودانيين ليست مجرد رحلة، بل بداية حياة حقيقية ينظرون إليها بكل لهفة وشوق.
يستوي في ذلك ملايين السودانيين الذين نزحوا داخل البلاد، والذين لجأوا إلى دول الجوار.. متى العودة إلى الوطن؟ إلى الحي؟ إلى القرية؟ إلى البيت؟ إلى الحياة.
بهذا الفهم، ليس مطلوباً من الدولة إلا أمران لا ثالث لهما:
الأول: تهيئة الأوضاع في الوطن بأفضل ما يكون.
والثاني: المساعدة في تيسير ترتيبات ورحلة العودة، من أي موقع، داخل السودان وخارجه.
لكن – للأسف – تقع الحكومة والإعلام في فخ كبير بتسييس العودة، وجرّها إلى حلبة الملاكمة المألوفة بين «مع» و«ضد»، و«أبطال» و«خونة»، و«مناضلين» و«مخذلين».
ودعني أفترض أنه ضرب من «التسييس الخفي» الذي تقع فيه الحكومة والإعلام أحياناً بغفلة أو جهل.
العودة – من النزوح أو اللجوء إلى البيت – قرار شخصي بحت، اتخذه كل سوداني منذ لحظة خروجه، وهو محسوم تماماً، لكن تنفيذه تجمّد في انتظار الوقت المناسب. بعبارة أدق: هو قرار صدر، لكن مع وقف التنفيذ.
عبارة «الوقت المناسب» لتنفيذ القرار ترتبط تماماً بالظرف العام في البلاد، وبالظرف الخاص للمواطن.
مهمة الحكومة أن تجتهد في ما يليها لجعل «الوقت المناسب» يأتي بأسرع ما يكون، وهو ما يريده المواطن. وليس على الحكومة أن تشغل نفسها بعد ذلك بالظرف الخاص الذي يقدّره المواطن بعوامل متفاوتة تختلف من شخص إلى آخر.
لكن عندما ترفع الحكومة شعار «العودة الطوعية» وتضخ في خطابها العام دعوات للعودة، كأنما المواطن في حاجة إلى عملية إقناع، فإن الظلال السياسية تبدأ في نسج خيوطها.. وتنشأ تلقائياً الحالة السودانية المزمنة في الاستقطاب الثنائي: مع وضد.
على الحكومة أن تدرك أنها تعرقل «الوقت المناسب» الذي يفك تجميد قرار العودة عند المواطن بعدة عوامل:
(1) البطء الكبير في حركة العمران وبناء مطلوبات البنية التحتية والخدمات. وبكل أسف، لا يقتصر الأمر على البطء، بل يمتد إلى الإمعان في إعلام تبريري وترويجي يحاول تعظيم الإنجازات الصغيرة، وتغطية عجز المسؤولين عن الارتقاء بمتطلبات ما بعد الحرب.
(2) خطاب دعائي يحاول أن يظهر عودة أي مواطن إنجازاً سياسياً للحكومة، رغم أن قرار العودة أصلاً صدر مع إيقاف التنفيذ، ولا علاقة له بالحكومة أساساً.
من الحكمة أن تدرك الحكومة أنها في حاجة ماسة إلى إعادة النظر بشكل شامل في عمليات بناء الوطن بعد الحرب. فإيقاع العمل لا يتناسب – حتى الآن – مع حجم المرحلة

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى