أسامه عبد الماجد يكتب:
إدارة الأزمات بـ (التصريحات)
0 مرة أخرى تجتمع اللجنة الاقتصادية العليا برئاسة كامل إدريس.. وكالعادة يخرج الاجتماع بسلسلة من العناوين العامة الفارغة من المحتوى.. مشروع الجزيرة، زيادة الأجور، استيراد الوقود، وتكوين لجان جديدة.. غير أن ما يلفت الانتباه في هذا الاجتماع ليس ما قيل.. بل ما لم يقال فبينما تمر المنطقة بظروف إقليمية شديدة التعقيد وتتصاعد التوترات في الخليج بما يهدد خطوط الإمداد للمشتقات البترولية وأسعار الطاقة والتجارة العالمية، تبدو الحكومة وكأنها تدير اقتصاد البلاد وكأن شيئاً لم يحدث.. ولم تسمع بحرب إيران.
0 البيان الصادر عن الاجتماع خلا تقريباً من أي إشارة جادة لتداعيات التطورات الإقليمية.. خصوصاً ما يمكن أن ينتج عن أي اضطراب في الخليج من ارتفاع كبير في أسعار الوقود والشحن والتأمين البحري.. يعتمد السودان بدرجة كبيرة على استيراد الوقود والسلع الاستراتيجية.. يفترض أن يكون من أكثر الدول استعداداً لسيناريوهات كهذه.. مثلما تحسبت مصر وبدأت قلقة مما يجري.. لكن الواقع يشير إلى غياب واضح لرؤية اقتصادية استباقية.
0 الأكثر إثارة للدهشة أن الحكومة بدت وكأنها تحتفي بقرار التنفيذ الفوري لزيادة أجور القوات النظامية.. رغم أن مسألة زيادة المرتبات طرحت وتم تنفيذها جزئياً قبل فترة قريبة.. المشكلة الحقيقية ليست في إعلان الزيادة بل في غياب الإجابة عن السؤال الأهم.. من أين ستأتي الموارد؟ وهل هناك تقديرات لتأثير هذه الزيادات على التضخم وسعر الصرف؟
0 الملاحظ أيضاً أن النقاش – بحسب ما نشر على لسان وزير الإعلام – لم يتضمن أرقاماً واضحة.. لا حجم الخسائر في مشروع الجزيرة، ولا تكلفة إعادة الإعمار، ولا حجم العجز المتوقع في الميزانية.. ولا تقديرات لمخزون الوقود الاستراتيجي.. الاقتصاد في كل حكومة يدار بالارقام والتحسب للسيناريوهات.. عدا عند حكومة كامل.
0 أما تكوين اللجان فقد أصبح تقليداً حكومياً مألوفاً كلما تعقدت قضية.. اعلنوا تشكيل لجنة لمراجعة جمارك مواد البناء خلال أسبوع.. ولم تبحث الحكومة هل المشكلة فعلاً في الرسوم فقط، أم في انهيار منظومة الإنتاج، وارتفاع تكلفة النقل، وتراجع قيمة العملة؟.. في ظل هذه المعطيات يبدو أن البلاد تحتاج إلى ما هو أبعد من اجتماعات دورية وتصريحات إعلامية. تحتاج إلى خطة طوارئ اقتصادية حقيقية تعترف بحجم التحديات وتتعامل معها بواقعية.
0 يجب على الحكومة إعداد سيناريوهات اقتصادية للأزمة الإقليمية.. يجب وضع ثلاثة سيناريوهات على الأقل لأسعار النفط والشحن في حال تصاعد التوترات في الخليج.. مع تحديد تأثير كل سيناريو على الميزانية وسعر الوقود والسلع الأساسية..
ثانياً تكوين غرفة طوارئ اقتصادية تضم وزارة المالية، الطاقة، البنك المركزي والقطاع الخاص.. وتكون مهمتها متابعة الأسواق العالمية يومياً واتخاذ قرارات سريعة بشأن الاستيراد والمخزون الاستراتيجي.. وثالثاً بناء مخزون استراتيجي من الوقود والقمح.
0 في ظل احتمالات اضطراب الإمدادات يجب أن تعمل الحكومة فوراً على تأمين مخزون يكفي لعدة أشهر لتجنب الصدمات المفاجئة في السوق.. وتجتهد في ذلك مع رجال الأعمال.. كما عليها إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لان زيادة الأجور دون إصلاح هيكل الإنفاق العام قد تتحول إلى وقود جديد للتضخم. المطلوب مراجعة شاملة للإنفاق الحكومي وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والخدمات الأساسية.
0 إطلاق برنامج عاجل لدعم الإنتاج الزراعي.. وإذا كان مشروع الجزيرة يمثل سنام الاقتصاد القومي فإن إنقاذه يجب أن يكون مشروعاً اقتصادياً وطنياً واضح الأهداف والتمويل والجداول الزمنية، وليس مجرد تقرير يعرض في اجتماع.. في لحظات الأزمات الكبرى تقاس كفاءة الحكومات بقدرتها على استشراف المستقبل لا الاكتفاء بإدارة الحاضر.. ما يحتاجه السودان اليوم ليس فقط قرارات متفرقة.. بل خارطة طريق اقتصادية واضحة تحمي البلاد من الصدمات القادمة.
0 ومهما يكن من امر.. فان عدم ادراك كامل ادريس لما يجري من حوله.. قد يجعل البلاد تدفع ثمناً باهظاً عندما تصل موجة الأزمات الإقليمية إلى شواطئها.
الخميس 5 مارس 2026 osaamaaa440@gmail.com









