أسامه عبد الماجد يكتب:
رجال أعمال داخل وزارة
0 في يوليو من العام الماضي أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس تعيين المهندس المعتصم إبراهيم وزيراً للطاقة.. وضجت “الاسافير” بإشادة واسعة بسيرته الذاتية. غير أن مراجعة دقيقة لبعض ما ورد فيها تثير تساؤلات حول دقة المعلومات.. وقد تحققت “الشعب” آنذاك من عدد من المهندسين والفنيين العاملين في قطاع النفط.. ومن بينهم من زامله في بورتسودان فأفادوا بأن بعض ما نسب للوزير غير صحيح.
0 ورد في سيرته أنه عمل بالإدارة الفنية بوزارة الطاقة وهو ما نفاه مهندس مطلع.. كما تم ذكر توليه إدارة مشاريع المنشآت البترولية بمنطقة الجيلي وترأس اللجنة الفنية للمشاريع.. بينما تؤكد المصادر أنه كان عضواً فقط ولم يستمر في اللجنة ولم يتول الإشراف على تنفيذ المشاريع.. ونشرت “الشعب” تلك المعلومات ومع ذلك “احسنا الظن”.. وقلنا قد تكون بعض التفاصيل قد أدرجت في سيرة الوزير من قبل مقربين أو متعاونين دون الرجوع إليه مباشرة.. إلا أن المعتصم أو مكتبه لم يصدر عنهما أي تعليق حتى الآن.
0 مع مرور الوقت برز تساؤل حول الجهة التي رشحت المعتصم للمنصب.. لتأتي الإجابة بأن مبعوث رئيس الوزراء الحفيان هو من وقف خلف الترشيح.. ومن اللافت أن الحفيان لم يرافق أي وفد وزاري في زيارات رسمية خارجية سوى ضمن وفد قادة المعتصم إلى تركيا، دون توضيح رسمي لأسباب وجوده ضمن الوفد.
0 في المقابل تشهد وزارة الطاقة حالة من الارتباك.. إذ ظلت بلا وكيل لأكثر من شهرين عقب إعفاء محي الدين النعيم – كما اشار الزميل العزيز الهندي عز الدين امس وهو يعقد مقارنة بين الغاز في السودان وفي مصر.. وكان النعيم يجمع بين منصبي الوكيل والوزير وبالمناسبة كان المنصب اكبر من قدراته.. ما دعانا لذلك ان الوزارة أصدرت مؤخراً بياناً اتسم بطابع دفاعي وانفعالي، تحدث عن “محاولات لي عنق الحقيقة”، بلغة حملت إيحاءات اتهامية، وهو ما لا يتسق عادة مع الخطابات الرسمية الهادئة والقائمة على عرض الحقائق بالأرقام.
0 وهذا مؤشر ان امور تجري خلف الكواليس داخل الوزارة.. فالبيان أشار إلى وجود معايير لتأهيل مستوردي المواد البترولية دون نشرها أو توضيح آلية احتساب أوزان الشركات ومنهجية التقييم.. وفي ملفات حساسة كاستيراد الوقود لا يكفي الحديث عن وجود معايير، بل تقتضي الشفافية إعلانها أو على الأقل توضيح أسسها الفنية والمالية.
0 كما كشف البيان عن قرار يقضي بقسمة استيراد الوقود بنسبة 50% بين القطاعين العام والخاص.. دون بيان السند القانوني أو الاقتصادي لهذه النسبة، وما إذا كانت ثابتة أم خاضعة للمراجعة وفق متغيرات السوق.. وأعلنت الوزارة منح بعض الشركات فترات سماح لتوفيق أوضاعها.. وهي خطوة قد تُفهم إيجابياً.. لكنها تحتاج إلى تحديد واضح للفترات والشروط والجهة المخولة باتخاذ القرار ضماناً لتكافؤ الفرص.
0 وتحدثت الوزارة عن توسع في إنشاء محطات ومستودعات دون الالتزام بالضوابط.. واغفلت ذكر حجم المخالفات أو الإجراءات التصحيحية والعقوبات.. بينما الملف يتطلب بيانات دقيقة تطمئن الرأي العام.. ومن المثير للاستغراب أن الوزير يشرف مباشرة، وبمشاركة الأجهزة الأمنية، على تأهيل مستوردي المواد البترولية.. في خلط واضح لحدود الصلاحيات والجمع بين الأدوار الفنية والتنظيمية من جهة.. والسياسية أو الأمنية من جهة أخرى.
0 اللافت أيضاً أن الوزارة شأنها شأن وزارات أخرى مثل الصحة بارعة في “طق الحنك” لا تقدم أرقاماً.. وبشان الطاقة فالارقام مجهولة بشأن حجم الاستيراد وعدد الشركات المؤهلة.. والجدول الزمني لاستكمال التأهيل وإعلان النتائج.. الغريب ورغم هذا الغموض فان جهاز المخابرات غائب حيال قطاع يمس الأمن الاقتصادي والإمداد الاستراتيجي.
0 ومما يثير القلق هو هيمنة بعض رجال الأعمال على عمليات استيراد الوقود عبر تسجيل شركات متعددة بأسماء مختلفة بهدف السيطرة على السوق.. وقد سبق نشرنا معلومات عن تعرض الحكومة لعملية احتيال كبيرة، وراءها رجال أعمال في مجال استيراد وتوزيع المواد البترولية والغاز.. بهدف إعادة احتكار التجارة خلافاً لسياسة فتح باب المنافسة لخفض التكلفة على المواطن.
0 وتضمنت تلك المعلومات تحرير خطاب مضلل للوزارة يتضمن أسماء شركات لا تعمل أصلًا في مجال الاستيراد.. وأخرى خرجت من السوق أو لم تنفذ عمليات استيراد منذ فترة.. ما مكن مجموعة محدودة من إحكام قبضتها على سوق الوقود والغاز لربع عام، وجنت اموالاً تقدر بعشرات الملايين من الدولارات.. هذا بخلاف المليارات التي جناها رجال اعمال من التجارة في وقود الطائرات وكان الوزير محي الدين يتفرج على كل تلك الجرائم.
0 ان ملف استيراد الوقود والغاز يشوبه غموض مما يستدعي من الرئيس البرهان التدخل وكذلك كامل ادريس.. أولى الخطوات المطلوب اتخاذها هي إعلان واضح للمعايير والضوابط الخاصة بتأهيل مستوردي المواد البترولية، مع توضيح آليات التقييم والأوزان الفنية والمالية للشركات.
0 كما ينبغي الفصل بين الأدوار الفنية والتنظيمية والسياسية والأمنية داخل الوزارة.. بحيث يقتصر تدخل الوزير أو أي جهة على نطاق صلاحياتها.. ويمنع خلط المهام بين الجوانب الفنية والإشرافية من جهة، والسياسية أو الأمنية من جهة أخرى.. الوزارة بحاجة إلى لجنة مستقلة لمراجعة عمليات الاستيراد والتوزيع، تضم ممثلين عن الجهات الرقابية والأمنية والمجتمع المدني، لضمان متابعة المخالفات وتطبيق العقوبات بشكل واضح وشفاف.
0 كذلك يجب تحديد الشروط والفترات الزمنية لمنح الشركات فرصة لتوفيق أوضاعها.. مع الإعلان عن الجهة المخولة باتخاذ القرار لتكافؤ الفرص.. من الضروري أيضاً مكافحة الاحتكار وتحقيق المنافسة، عبر منع تسجيل شركات وهمية أو متعددة الأسماء.. وتشجيع دخول شركات جديدة إلى السوق لتخفيف التكلفة على المواطنين.. بالإضافة إلى اصدار بيانات رسمية مدعومة بالأرقام توضح القرارات والسياسات.
0 ومهما يكن من أمر.. الغموض لا يقتصر على وزارة الطاقة وحدها بل يشمل أيضاً الشركات الحكومية.. وعلى رأسها شركة النيل التي تم دمج شركتي بشائر للطاقة المحدودة وبتروترانس لنقل المواد البترولية فيها قبل عام.
الأربعاء 25 فبراير 2026
osaamaaa440@gmail.com









