مقالات

من يتحدث بإسم السودان في برلين

د ياسر يوسف ابراهيم يكتب:

من يتحدث بإسم السودان في برلين

في لحظة من الإستغراب الممزوج بعدم اليقين وقف الخليفة عبدالله التعايشي متعجبا بعدما وصلته أخبارا من الصحف المصرية تفيد أن هناك مفاوضات بين بريطانيا وإيطاليا من أجل السودان وذلك في العام 1890 أي بعد سنوات قلائل من مؤتمر برلين الشهير الذي وزع الدول الإفريقية غنيمة للمستعمرين ، فعلق قائلا ( إنه لمن المؤلم أن الناس لا تستطيع الكف عن تقسيم بلاد ليست هي بلادهم ) ، وبالتأكيد لسنا في عصر الخليفة عبدالله التعايشي حيث لا إعتبار للقانون الدولي ولا السيادة ، وكذلك ورغم التحديات الجسام التي تواجهنا كسودانيين لسنا في موقف الخليفة الحرج الذي تحاصره خياراته الضيقة في الداخل والخارج ، غير أنا نتألم مثلما تألم ونحن نري قضايانا تناقش بعيدًا عن الحكومة الشرعية في السودان ، ويتم التعامل معنا وكأن السودان ( أرضا خلاء ) ، ويبدو أن السنين لم تغير العقلية التي هندست أفريقيا في القرن التاسع عشر دون أدني إعتبار أخلاقي للإنسان الموجود فيها ..

وليس ذلك فقط ما يجعل الوجدان الوطني ينفر من مؤتمر برلين القادم في ذكري الحرب التي تدخل عامها الرابع بعد أيام ، فالمثالب فيه لا تحصي عددا ، والمآخذ عليه لا حصر لها ، وأكبر هذه المآخذ أن الجهات الناشطة في سلسلة هذه المؤتمرات جميلة المظهر قليلة العائد والتي تنتقل برشاقة من عاصمة أوربية إلي أخري لا يريد أصحابها أن يوفروا من وقتهم دقائق معدودات ليسألوا عن النتائج السابقة قبل الإصرار على السير في طريق مآلها خراب وعاقبتها بوار ..
ففي النسخة السابقة التي عقدت في لندن فشل المؤتمر حتي في إصدار بيان متوافق عليه حين رفضت دولة الإمارات فقرة في البيان تؤكد ( علي ضرورة الحفاظ علي المؤسسات الوطنية ) التي أصرت عليها كل من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ، ورغم ذلك لم تسأل دول ( بريطانيا ، فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية) الناشطة في سلسلة هذه المؤتمرات بإسم الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والإتحاد الأوربي والجامعة العربية والإتحاد الإفريقي وإيغاد، لم تسأل تلك الدول لماذا فشلوا في لندن ، ولماذا فشلوا قبلها في باريس ، الحقائق المنطقية مبثوثة أمام من يبتغي الحقيقة ولكنهم صموا آذانهم عن الإستماع إليها وأعموا أعينهم في النظر إليها ، ودعنا نذكرهم بها حتي لا يصروا علي السير في طريق خاطئ:
أولا الخطأ الجوهري الذي قامت عليه فكرة هذا المؤتمر منذ باريس هو تغييب صاحب البيت والمصلحة والمعبر عن الشعب السوداني وهو الحكومة السودانية ، تحت حجة كاذبة وهي أن الحرب هي بين طرفين متساويين وبالتالي لا ينبغي دعوتهما الإثنين ، ( هل يمكن تصور إيقاف الحرب علي إيران دون التحدث إلي حكومتها ) ..
وأكثر من ذلك فقد تمت دعوة أكثر من 25 دولة بما فيها دول الجوار التي تدعم التمرد ، والإمارات صاحبة الكيد الكبير للسودان وأهله ..
وعلي الرغم مما استبان من الحقائق بعد كل هذه السنوات لا تزال هذه الجهات مصرة علي هذه الرواية الكذوب ، وذلك لأنها تخفي إنحيازا لجهة محددة تريد فرضها علي الشعب السوداني ..

ثانيا : كان المؤتمر في بدايته عنوانا لعمل إنساني يدعم شعب السودان ، وطرح المسار السياسي في باريس علي استحياء ولم يجد توافقا ، وفي لندن برز المسار السياسي بصورة أكثر وضوحا ، واليوم أفسح المنظمون عن كامل رؤيتهم للمؤتمر حيث وضح أنه يقوم علي مسارات ثلاث هي الإنساني والسياسي والمدني ، وفي المسار السياسي تصر الدول الناشطة علي اعتبار الرباعية الدولية المبادرة الوحيدة رغما عن تحفظات الحكومة السودانية عليها ، وتجاوزا لمبادرة الحكومة السودانية التي قدمت للأمين العام مرة ولمجلس الأمن الدولي مرة أخري ، وما يراد لهذا المؤتمر هو الموافقة علي هذه المبادرة علي الرغم من التحفظات التي أبدتها الحكومة السودانية ، وهذا لعمري شئ عجيب وجديد في شأن الوساطة ما سمعنا به من قبل ، وقد استبق المؤتمر مبعوث الرئيس ترمب مسعد بولس بتصريحات قال فيها إن المؤتمر ( سيعمل علي دعم المسار السياسي نحو حل طويل الأمد للأزمة السودانية) ..

ثالثا : تحت ستار المسار المدني تمت دعوة حوالي 40 شخصية سودانية غالبيتهم من تيار معاد للجيش وتيار معركة الكرامة ، وزيادة علي ذلك تمت دعوة شخصيات من تأسيس تذرعا بأنهم يمثلون منظمات مدنية مستقلة ، إذ كيف يستقيم بعد جرائم الفاشر وغيرها من مدن السودان أن تكون المكافأة للجاني دعوته لمؤتمر إنساني ، دون أن تتجرأ هذه الدول لإدانة مليشيا الدعم السريع علي إختطافها للمساعدات الإنسانية وعدم التجاوب مع الدعوات الدولية لفتح المسارات وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني ، إن هذا لأمر عجاب ..

ويظل التساؤل قائما كيف سينفذ المؤتمر توصياته في ظل إستبعاد الحكومة السودانية ، بالتأكيد لا تغيب هذه المسالة عن بال المخططين ، ولكنهم يعملون بدأب من أجل صناعة قناعة بأن التوصيات التي ستخرج عن المؤتمر توصيات ذات إجماع دولي وبالتالي يمكن أن يأخذوها لمجلس الأمن لتفرض علي السودان بالقوة ..
تترك الدول الناشطة في هذه الموتمرات الطريق السهل وهو تسهيل حوار سوداني شامل لا يستثني أحدًا وتمكين السودانيين ( بل وممارسة الضغط علي حلفائهم في صمود وتأسيس ) للتخلي عن الأجندة الإقصائية وخطاب الكراهية الذي يهددون به الوحدة الوطنية في السودان ، ولكنهم بدلا من ذلك يحاولون فرض رؤية جماعة صمود / تأسيس علي السودانيين بإعتبارها الجهة الوحيدة التي تمثل ما يسمونه ( بالمدنيين ) في السودان ، ويتجاهلون عمدا كل التطورات الميدانية والسياسية التي جرت منذ الخامس والعشرين من أكتوبر 2022 ، وذلك أمر لا يعمل إلا علي إطالة الحرب ومضاعفة معاناة المدنيين الحقيقيين ..
ولا شك أن السودانيين أنفسهم يقع في الداخل حكومة وأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني بحاجة إلي تعظيم التحركات الوطنية الجادة التي تطرح منصات بديلة بحيث يكون الثقل الأعظم للعمل السياسي والإنساني في الداخل ، إذ أنه ومنذ أن طرح السيد رئيس الوزراء مبادرته أمام مجلس الأمن لم تتبع الحكومة ذلك بنشاط ديبلوماسي وسياسي واسع وتحركات تعمل علي تنفيذ بعض التعهدات ، كما أن الأحزاب السياسية لم تطرح مبادرة متماسكة تلتف حولها كمنصة جامعة تعبر عن التيار العريض الذي ساند الجيش ووقف خلفه ، ومختصر القول أنه لا يكفي فقط أن ( نتألم من تدخلات الخارج كما تألم الخليفة عبدالله التعايشي ) بل ينبغي أن يدفعنا ذلك الألم إلي عمل جاد نحول به التحديات إلي فرص ونتواصل مع الخارج علي أسس وطنية واضحة تعرف ما تريد وتعرف كيف تحقق ما تريد ..

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى