الاثنين 13 أبريل 2026
قبل أن تختفي تمامًا أصوات المدافع داخل العاصمة الخرطوم، بدأ رجال الأعمال السودانيون يتلمسون خطوات العودة إلى أعمالهم التي توقفت زهاء ثلاث سنوات. عادوا زرافات ووحدانًا إلى المناطق الصناعية.
بعضهم وجد مصانعه حطامًا تذروه الرياح، دمار شامل لم يترك حتى الجدران، كل شيء سُوِّي بالأرض تمامًا. والبعض الآخر وجد مصانعه خاوية على عروشها من كل الآليات والماكينات الحديثة التي كان قد استوردها للتو قبل الحرب. وآخرون لم يستطيعوا حتى الاقتراب من أسوار مصانعهم من فرط الدمار والأطلال والركام الذي سدَّ الشوارع.
ومع ذلك، لم يقرر أحد الانسحاب أو التراجع. فالاستثمار يظل دائمًا يحمل في طياته المخاطر، ورجل الأعمال الشاطر هو من ينهض كلما سقط. ورجل الأعمال هنا يعني أيضًا “سيدة الأعمال”.
بالمنطق البسيط، هنا بالتحديد تلتحم المصلحة العامة بالخاصة. تصبح مصالح المستثمرين هي مصالح الوطن قبل أي شيء آخر. كل دولار يدخل جيب المستثمر هو كسب للوطن كله، لأن وراء كل رجل أعمال ناجح أسرًا تقتات من خيرات أعماله. وإذا كان الفقير يكابد المشقات ليوفر لنفسه ولأسرته مقومات العيش الكريم، فإن رجل الأعمال مسؤول عن عشر أو مئات أو آلاف الأسر. وبقدر ما يحملهم على أكتاف أعماله، يستحق أن يحمله الوطن فوق أكتافه.
لكن الواقع في السودان مختلف، ومخالف للطبيعة.
أول ما يواجهه رجل الأعمال من تحدٍّ هو الحكومة، وثانيًا: أيضًا الحكومة، وثالثًا: “برضو” الحكومة.
ما إن يقرر أن يبدأ استعادة مصنعه حتى تبدأ الحكومة في إعداد حلبة “سباق الحواجز”. تنصب له في كل خطوة كمينًا وتطارده كما يطارد الصياد فريسة منهكة في وسط أشجار الغابة.
بدأ رجال الأعمال محاولة استعادة إعمار مصانعهم وتشغيلها، في ظنهم أن الحكومة تدفعهم وتستعجلهم، على الأقل من باب فتح فرص العمل للشباب. لكن الواقع يوحي وكأن الحكومة كانت تنتظرهم فقط لتغذي عروقها من رحيق ما بقي فيهم بعد الحرب من عافية المال.
قبل يومين استمعتُ إلى تسجيل فيديو لصاحب مصنع في أم درمان، كيف انتاشته سهام الجبايات قبل أن يبدأ. وأمس علمتُ أن أصحاب المصانع في المنطقة الصناعية بالخرطوم بحري يواجهون عقبة كؤودًا في استعادة التيار الكهربائي، بعد أن قدرت التكلفة الأساسية للمحولات بحوالي خمسة ملايين دولار. ثم تتوالى تكاليف أخرى مثل الكوابل والمعدات الأخرى لتصل إلى أرقام محبطة.
وتعجز الحكومة عن مد يد العون لهم، فتترك لهم تقرير مصير استثماراتهم.
هل تذكرون أيضًا ما كتبته هنا قبل أيام عن مشروع “السليت” الذي قررت وزارة الزراعة بولاية الخرطوم معاقبتهم برسوم لا علاقة لهم بها؟
مثل هذه الأوضاع لا تساعد على سرعة التعافي، في وقت يتطلع فيه الشعب إلى مستقبل أفضل مما كان قبل 15 أبريل 2023.









