[ حاول أن تتخيل جدول طالب في بداية السنة الثالثة ثانوي؛ سيتقدم لامتحان الشهادة السودانية في نهاية العام الدراسي. بالطبع سيُوزَّع برنامجه بين المذاكرة والترويح والزيارات الاجتماعية وقضاء الوقت مع الأصدقاء والأقارب، وربما السفر في عطلة نهاية الأسبوع.
بعد منتصف العام الدراسي يبدأ البرنامج في التغير تدريجياً. تنسحب أوقات الفراغ والترفيه رويداً رويداً، وتقل الزيارات الاجتماعية ووقت المتعة مع الأصدقاء.
وعندما يتبقى على الامتحان شهر واحد يتحول البرنامج إلى حالة طوارئ. تُخصَّص معظم ساعات اليوم للمذاكرة، ويصبح الترويح قلياً جداً، ثم يستمر في التلاشي.
وعندما تبدأ الامتحانات فعلياً تتغير وحدة الزمن نفسها؛ من يوم إلى ساعة، ثم إلى دقيقة. كل شيء يُحسب بالدقيقة، حتى وقت الطعام والنوم. لا فراغات في البرنامج اليومي. أقصى درجات «شد الأحزمة» تتجلى في مواجهة التحدي. يصبح الرد على مكالمة هاتفية مهمةً تتطلب النظر مراراً وتكراراً إلى عقارب الساعة.
حسناً.. لنسقط هذا المثال على واقع دولتنا السودان في المرحلة الراهنة.
الحرب ومواجهة تقرير مصير الوطن هما عنوان الوضع الذي نعيشه. نحن بحاجة فيه إلى كل دقيقة، مثل الطالب في الامتحان، ونستثمر كل طاقاتنا لمواجهة التحديات.
لكن قارن هذا بالواقع الذي نعيشه. خذ مثالاً بسيطاً: قائمة الأخبار اليومية التي تنشرها الصحف ووسائل الإعلام.
من يطالع أخبار السودان لا يجد فيها ما يدل على أن هذا بلد يعيش أقسى امتحان تعرّض له في تاريخه. وطن في مواجهة «أن يكون أو لا يكون»، البقاء أو الفناء. لكن عناوين الأخبار تبدو مسترخية، هادئة، بإيقاع بطيء، وكأن الشعب لم يترك بيوته وأهله نازحاً أو لاجئاً.
واقع الحياة اليومية في السودان يمضي بهدوء. تصريحات الساسة وقيادات الدولة في كل المجالات لا تدل على أن هذه الدولة في حالة طوارئ قصوى، وأنها تكابد حرباً ضارية أودت بحياة مئات الآلاف من بنات وأبناء الوطن، ولا تزال.
هناك مشكلة حقيقية.
أرجوكم.. اقرأوا عناوين نشرات الأخبار، وتأملوا في حال البلد.
هل يستويان؟
حديث المدينة










