فجأة انتشرت صور وفد مجموعة «تأسيس» بكامل قياداته وهم يهبطون في مطار عنتيبي بأوغندا، ثم يلتقون بالرئيس يوري موسيفيني. الوفد برئاسة محمد حمدان دقلو، ونائبه عبد العزيز الحلو، وأعضاء مجلس السيادة المنشقين: الهادي حجر والهادي إدريس، إضافة إلى رئيس وزراء الحكومة الموازية محمد الحسن التعايشي، وإبراهيم الميرغني، والباشا طبيق.
حرص إعلام الوفد، في بيانه، على إبراز عبارات مفتاحية مثل «بدعوة من الرئيس موسيفيني» و«لبحث العلاقات المشتركة»، ثم التركيز على الصور التي تُظهر ابتسامات متبادلة لتؤكد تماسك القيادة و«الاسترخاء» الذي يشعر به الجميع.
بقراءة عامة لتقلبات الطقس السياسي العالمي، لا يمكن تصور أن هذه الزيارة ذات طابع ثنائي بسيط بين حكومة لم يعترف بها أحد — بما في ذلك الدولة المضيفة أوغندا نفسها. فالرئيس موسيفيني، الذي جدّد له الشعب الأوغندي فترته الرئاسية الخامسة، ليس بهذه البساطة التي تمرَّر بين قدميه مثل هذه الكرة السهلة.
الوفد وصل إلى أوغندا في محاولة لإعادة إنتاج مشروع انهار تمامًا وشبع موتًا تحت وابل الإدانات العالمية. ومن المؤكد أن اللقاء الذي جمعهم بالقيادة الأوغندية لم يخرج عن إطار عبارات المجاملة والمطايبة والتهنئة برمضان، ثم عبارات عامة حول الاستعداد والانفتاح على الحلول السلمية.
الذي يرفع من أسهم الزيارة هو ردود الفعل السودانية، خاصة من الإعلام القريب من الحكومة، الذي — من حيث يريد السخرية والتهكم — يسهم في زيادة الزخم والاهتمام.
جولة وفد تحالف «تأسيس» هي امتداد عضوي لجولة وفد «صمود» الأوروبية، من دون تنسيق بين الطرفين، لكنهما يؤديان وظيفة واحدة بوجهين لعملة واحدة.
والحقيقة أن كليهما يتمتع بمساحة فراغ تمنحها الحكومة السودانية طواعية. فاستراتيجية السياسة الخارجية الغائبة في السودان تجعل الحكومة عاجزة عن أمرين مهمين:
الأول: التواصل المؤسسي الطبيعي مع المحيط الحيوي للدولة السودانية.
الثاني: الانسحاب طواعية والانكفاء على الذات في إطار العزلة.
نائب رئيس مجلس السيادة، السيد مالك عقار، زار أوغندا مرتين خلال سنة واحدة، بما يُفهم أنه يدير ملفًا ثنائيًا يحافظ على مستوى من التواصل يمنع الأطراف الأخرى من الاستناد إلى دعم دبلوماسي أوغندي.
لكن السباحة في الفضاء الدبلوماسي بلا بوصلة هادئة لاستراتيجية السياسة الخارجية تبدد مثل هذا المجهود.
الحكومة السودانية غير قادرة على استثمار الرياح العالمية التي تهب لصالح السودان. فالعقل الدبلوماسي يدور حول فلك واحد: انتظار المساعي والمبادرات الخارجية، ثم الاكتفاء برفضها سرًا أو علنًا.
ورغم وجود حكومة تنفيذية برئاسة الدكتور كامل إدريس، ووزير خارجية هو السيد محيي الدين سالم، ووكيل للوزارة بخبرة كبيرة هو السفير معاوية عثمان خالد، فإن الدبلوماسية الرئاسية هي التي تهيمن على المشهد. وتظل المؤسسة الدبلوماسية السودانية في وزارة الخارجية مجرد «شاهد» على التواصل الخارجي.
ليس مطلوبًا من الخارجية السودانية أن تصدر بيانًا تحتج فيه على استقبال أوغندا لوفد «تأسيس»، بل المطلوب أن تكون حاضرة بقوة في المحيط الحيوي للسودان. فلا أحد يتصور أن يستطيع وفد «صمود» زيارة مصر أو السعودية أو قطر.
حديث_المدينة











