زمراً في الجنة يا صحاب ..
أنشبت المنية أظفارها ، وإختطفت يد المنون الأخ الأحب العزيز الشهم الصديق الصادق الصدوق المهندس الشاذلي عبد القادر خضر والأخ الكريم الودود المهندس عاطف محمد الأمين ، في حادث مروري على طريق عطبرة بورتسودان ، عصر الأربعاء 18 فبراير 2026م الاول من شهر رمضان1447 هـ ، وهما من هما ..؟
غادرت دنيانا شعلتان متوهجتان من عمل ، منارتان من مثابرة ودأب ، طردان من وطنية خالصة تسمه للسماء ، احتجب بغيابهما شعاع لامع من البذل والعطاء ودفق الحياة ، كانا خيرة شباب البلاد ومن الأبطال المجهولين البواسل في هذه الحرب ، عاشا ولقيا ربهما في إخلاص ووفاء بلا ضريب للأرض والتراب التي عشقانها ، وسعيا بجد واجتهاد في سبيل عزتها وكبريائها و أمان أهلها ، وليس هناك فقد جلل وخطب فادح مثل فقدهما الفاجع ، تتذارف فيه الدموع السوافكِ مثل المطر ..
وما من كلمات تليق بهما وتتزيا ، وهما في هذا المقام ، مقام الشهداء الابرار .. فكل كلمة فيهما معطال وبيدر قاحل ، وكل حرف فيهما شحيح طلابه، خاوٍ قرابه …
عرفتهما معاً وجمعتني بهما مودة ومحبة لله وفي الله وفي الوطن ، وهذه ذُري لا تدرك ، و أطواد لا تطال ، ومقامات لن تنالها صعوداً ولا عَدواً ولا خبباً ، كانا نبعان نضحان من سر الله في خلقه ، لطفاً و رقة طبع ، ومعرفةً وعلماً وتجربةً وخدمة لوطن ٍ يخدمانه بلا ادعاء أو ضجيج أو تزاحم عند مساقط الأضواء ،
* قلّ أن تجد وصفاً للأخ الحبيب الشاذلي عبد القادر، سيعجزك المقال ، و تتقاصر بك مفرداتك وتعابيرك مهما شحذتها ، و برأت قوسها. ، و أذكيت نارها ، وفككت خطامها ، ومددت أجنحتها كرهو السحاب تحلق في فضاء بعيد ….
شاذلي رجل تربي على تقوى من الله ورضوان ، سليل دوحة مباركة ، وبيت صوفي شفيف وهبه كل المحامد وخصال المروءة والشهامة والتواضع والوفاء والرفعة وسمو النفس ، نشأ على هذه المكرمات وخالطت روحه ودمه ، مذ كان يافعاً ثم طالباً في جامعة الشرق الأوسط التركية قبل ما يزيد عن اثنتين وثلاثين عاماً ، صار علماً وسط زملائه باخلاقه و اتساع فياح القلب المحب للأخرين ، عاش علامة من علامات النقاء الإنساني والمودة الصافية ، لا تجد له خصماً ، ولا تعثر له مهما بحثت عن عدوٍ كارهٍ أو متربص ، ظل رقيقاً كالنسمة النافحة ، ثم لتجدنه هادراً كالرعدِ صادعاً بالحق ، مدافعاًَ شرساً عن كرامة بلده ، يلتمس رضي ربه في كل حين.. .
عندما تولى مسؤولية العمل في شركة سنكاد (منظومة الصناعات الدفاعية) بإسطنبول ، كان قد صلب مكسر عوده، و تجمرت في نار التجارب خبرته ، فوهب كل ما يملك لبلده وللمهمة التي جعله الله مضطلعاً بها ، ثابتاً علي الثغرة التي تليه ، ضُرِب به المثل في التجرد و التفاني و رجاحة العقل و سداد الرأي والثبات عند الصعاب ، يضع الأمل في الله أولاً ، ويمضي في الطريق و نصب عينيه دائماً على الهدف البعيد ، لا يتسرب إلى قلبه يأس ، يمتلك طاقة هائلة في العمل بلا توقف ، فكل شيء عنده يهون عندما يكون صعب العلا في الصعب والسهلُ في السهلِ
هو كتاب ضخم ، قرأ الناس فقط عنوانه علي الغلاف ، لم يتعمقوا في فصوله وأبوابه ومعانيه ، تسرب مثل النور الي قلوب الناس جميعاً ، لطيف الروح تحدث ، بشوش الوجه مثل الرضيع حين تلقاه ، لا تفارقه ابتسامته وضحكته وتبسمه الصدقة في وجوه الآخرين ، يفتح لكل آت و زائر وعابر سبيل وطالب حاجة الف مشكاة مضيئة في عالمه الفسيح ، جمع ما بين العلم والمعرفة والخبرة و التعامل الإنساني الراقي ، وعرف كيف يصون لسانه ليس عن ما يشين فقط ، لكنه صان لسانه ان يبوح بسرٍ حتي لاقي الله وأسرار وخفايا مهامه وعمله وما يقوم به اختزنها في خزائن صدره ، سيجها بإلتزامه ، وصمت عنها لأنه يعرف حجم الثقة التي وُضعت فيه ، فصان ما كان وحفظ ما استحفظ عليه …
كنا ثلة من اصدقاء ( محمد احمد عبد الحميد ، اللواء عادل سبدرات ، مهدي فضل المولي ، محمد بخيت ، محمد عبد العال ، مهند خالد ، محمد عادل ، عاطف الامين ، صلاح عبد الحفيظ ، د. بكري الهادي ، ضياء الدين محمد ، حامد عوض وآخرين ) لا نفترق سواء كنا جميعاً في إسطنبول او غاب بعضنا عنها ، فهو الدوحة التي نتفيأ ظلها ، وهو الخيط الناظم لمجموعتنا ، والروح التي تسري فيها ، والنبض في عروقها ، عرفناه أخاً بمعني كلمة الإخاء المطلق الصادق ، وعرفناه في كل المواقف وتقلباتها ، هو هو لا يتغير ولا يتبدل ، تجده أمامك دائماً ، يستصغر الدنيا التي لم تغره أبداً ، ينسي نفسه وهو في خدمة الآخرين ، لا يتلون لموقف ولا يبدل رأياً ، ولا يحبس دمعاً في مواقف الحزن والعطف والمحن ، وهب حياته للناس فوهبه الله حب الناس ، اصطفي من الخلق الرفيع ما يتعامل به مع الناس ، فأصطفاه الله حياً وميتاً ..
لا يعد خسارة فادحة فقط للسودان ، بل خسارة لبلده الثاني تركيا التي عاش ودرس فيها وقضي سنوات عمره بين أهلها ، فهو العارف بدروب ومداخل ومسالك المجتمع والدولة في تركيا ، له شبكة علاقات واسعة في كل المجالات الاقتصادية والتجارية والسياسية وفي مجال الصناعات الدفاعية ، فضلاً عن علاقاته مع الوجود السوداني قديمه وحديثه ، فكان رئيساً لعدة دورات للجالية السودانية وفاعلاً في الحياة الاجتماعية ، يلتقي عنده كل السودانيين وكل الزائرين من السودان رسميين وغير رسميين ، أياديه البيضاء وبصماته الواضحة في كل مكان ، ملاذاً للمحتاجين وعوناً للطالبين ، و موئلاً لطراق بابه بلا موعد وميقات ..
بعد الحرب لعب أدواراً تجعلنا نقول انه من الأبطال الحقيقيين في هذه الحرب ، وبلا منازع في مقدمة هؤلاء الأبطال ، وظف طاقته الهائلة من أجل بلده ، لا يهدأ ولا ينام ، ليس لديه أوقاتاً للفراغ علي الإطلاق حتى اسرته الصغيرة ضاقت عنده ساعات التفرغ لها ، ضحى بوقته وصحته و كل ما عنده وقدمه لوطنه ، اختزن الكثير من الاسرار ، وما أؤتمن عليه من معلومات لترحل معه الي قبره ، كان انساناً لو قسمت بساطته و تعاملاته الانسانية ورقيق خصاله علي الدنيا كلها لوسعت الناس جميعاً …
مات في أشرف تراب ، هو تراب بلده مضخماً أرض العزة والكرامة ، لم يمت علي فراشه ، مات وهو في ميدان عمله وفي مهمة وطنية حاسمة ، مات صائماً متضرعاً عاملاً لله والوطن … فهو عند الله شهيد و أي شهيد …
أما الاخ العزيز الودود الشهيد المهندس عاطف محمد الامين .. لم أجد مثيلاً له فهو غارق في تواضع العارف العالم وذاك سمته ، يتجلي مبهراً بوطنيّته الخالصة كالتبر، طافح بالانتماء لبلده ، وهو اعظم قيمة يتبتل في محرابها ، يطل عليك كسحابة بيضاء رفيقة ، بذكائه الحاد ، وظرفه ولطفه ، يعمل بلا توقف لديه احساس محير بعظم المسؤولية والاحساس بها والسعي بمقتضاها ، لا تستطيع ان تخرج منه بأصغر معلومة ، شديد الحرص علي ما بين يديه من واجب ، تغوّر حب الوطن في جنبيه غوراً عميقاً لا حد له ، لا يحط من ترحال و تسفار عمل حتي يبدأ رحلة اخري ، ولا يمسي في مكان إلا يكون صبحه في ميدان أخر ، قدم مثالاً شاخصاً يعلو في أذن الجوزاء ، لهذا الجيل من شباب الوطن وكوادره التي أعطت وما استبقت شيئاً ، ومثله كان يمكن أن ينال وظيفة مرموقة في إحدي المهاجر الراقية وينال من بهرج الدنيا ما يريد ، لكنه اختار ذرات التراب السمراء ووجوه اهله وشعبه الأسمر الشامخ ، اختار حروف النيل ورمل الصحاري و غابات الهشاب و سنابل القمح و لوزات القطن ومطامير الذرة و أهازيج أبطال الجبال وفرسان البوادي ودفقات مياه النيل ليعيش من اجلها ويقدم روحه فداء لها …
رحم الله الاخ الحبيب الشاذلي ، ورحم الاخ الودود عاطف … ولمثلهما تفيض المآقي ، وتنفطر القلوب وتشهق الأرواح .. زمراً في الجنة يا صحاب ..










