في دولةٍ أخرى غير السودان، يكفي أن يكتب صحفي عبارة مثل: «أنا منحاز للجيش» أو «أنا مع الجيش»، حتى تُعتبر جريمة أمن دولة قد تعرّضه للعقاب.
لأن الجيش — في أي دولة — ليس خياراً شخصياً يُطرح للاستفتاء أو للرأي الحر. فالجيش يعني سيادة الدولة وكيانها، وبدونه لا دولة ولا سيادة.
الانتماء للوطن ليس اختياراً كالانتماء إلى حزب سياسي أو تشجيع فريق كرة قدم. فالوطن يعني، رسمياً، حمل البطاقة الشخصية والرقم القومي اللذين يثبتان الهوية والجنسية. وكل ذلك ليس مطروحاً للاختيار، إلا إذا أراد الشخص التنازل عن جنسيته.
وبالمنطق نفسه، فإن الانتماء إلى الجيش السوداني مرتبط ارتباطاً عضوياً بالانتماء للوطن، وليس خياراً يُترك للرغبة الشخصية أو التوجه السياسي أو الظرف الذي تمر به البلاد.
يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
تشير الآية إلى أن الجهر بموقف محمود قد يحمل في طياته استثارة أمر غير محمود. فسبُّ الذين يدعون من دون الله ليس محرّماً لذاته فقط، بل لأنه يؤدي إلى رد فعل محرّم أكبر.
كذلك، فإن التعبير عن الانحياز أو الانتماء للجيش يفتح عملياً الباب لفكرة «الاختيار» في أمرٍ لا مجال فيه للاختيار أصلاً.
الإعلام سلاح بناء أو دمار شامل، وقد يكون تأثيره أشد من تأثير السلاح الحربي إذا لم يُستخدم بالصورة الصحيحة.
فالفني الذي يدير المسيّرة الاستراتيجية، إذا لم يُتقن توجيهها والسيطرة عليها ودقة التصويب، ولم يعرف متى يجب أن يسدّد الرمية، فقد يحوّلها إلى «نيران صديقة» بسبب قلة معرفته وعدم قدرته على التحكم فيها.
وكذلك الإعلام: إذا لم يُستخدم بمهارة ودقة، فقد يطلق النار في الاتجاه الخطأ.
«الرسالة الإعلامية» أشبه بكبسولة الدواء؛ تبدو في ظاهرها ملوّنة وجذابة لجذب الانتباه، وبمذاق ظاهري يسهل بلعه، بينما تكون المادة الفعّالة صغيرة لا تكاد تُرى، مخفية في عمق الكبسولة.
ومن الحكمة أن يدرك الإعلاميون أن «الرسالة الإعلامية» تُصنع بدقة ومهارة لتحقيق هدف محدد، ولا مجال فيها للأخطاء العفوية.
الثلاثاء 12 مايو 2026










