اتهامات بتجاوزات داخل نيابة دنقلا تثير جدلاً واسعاً.. تفاصيل مثيرة تكشفها صحفية سودانية
النورس نيوز
اتهامات بتجاوزات داخل نيابة دنقلا تثير جدلاً واسعاً.. تفاصيل مثيرة تكشفها صحفية سودانية
النورس نيوز _
وجه النهار
بقلم: هاجر سليمان
لم تكن تلك الليلة عادية في حياتي، ولم يكن الوصول إلى دنقلا عند منتصف الليل مجرد انتقال جغرافي، بل كان بداية فصل جديد من تجربة كشفت لي الكثير مما يدور خلف الأبواب المغلقة. عند الساعة الثانية عشرة والنصف، تم إدخالي إلى حراسة قسم الأوسط بدنقلا، وهناك وجدت نفسي وسط نزيلات، لكل واحدة منهن حكاية تروي وجهاً آخر للواقع، واقع لا يُرى من الخارج.
في اليوم التالي، بدأت إجراءات التحري، وتم تحويل ملف القضية إلى النيابة، حيث بدأت سلسلة من الإجراءات التي لا يمكن وصفها إلا بأنها مثيرة للدهشة والاستغراب. إعادة متكررة للملف، طلبات لا تنتهي، توجيهات بإعادة الاستجواب، ثم إحالة لتسجيل اعتراف قضائي، يعقبها طلب لإعادة تسجيل ذات الاعتراف مرة أخرى. مشهد عبثي يصعب تفسيره، إلا إذا وضعناه بين احتمالين: إما جهل بالإجراءات القانونية، أو رغبة واضحة في التضييق والتشفي، وللأسف فإن المؤشرات تميل نحو الاحتمال الثاني.
ما كشفته لاحقاً زاد من قناعتي بأن الأمر لم يكن مجرد إجراءات روتينية، بل كان محاولة محكمة لإغلاق كل المنافذ أمامي. حين يكون مقيد البلاغ هو ذات الشخص الذي يمثل أعلى سلطة في النيابة، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الإجراءات ومدى عدالتها. لكن ما لم يدركه البعض أن القانون لا يُختزل في شخص، وأن طرق الطعن والاستئناف لا تزال مفتوحة لمن يعرف كيف يسلكها.
ورغم كل ذلك، لا بد من القول إن الشرطة في دنقلا تعاملت معي بمهنية وحياد يُحسب لها، وهو ما يضع علامات استفهام أكبر حول التباين في الأداء بين المؤسسات. فبينما التزمت الشرطة بدورها المهني، بدا أن النيابة قد انحرفت عن مسار الحياد إلى مسار آخر تغلب عليه النزعة الشخصية.
لم يكن احتجاز هاتفي مجرد إجراء عابر، بل كان محاولة واضحة للوصول إلى مصادر معلوماتي. لكن ما لا يفهمه البعض أن حماية المصادر ليست خياراً، بل التزام قانوني وأخلاقي لا يمكن التنازل عنه. والأكثر إثارة أن ذات الجهة التي حاولت معرفة مصادرنا، هي نفسها التي تسربت منها معلومات في أوقات سابقة، في مفارقة تكشف حجم الخلل.
قبل أشهر، تلقيت عبر رقم مجهول ملفات ووثائق تتحدث عن قضايا فساد. لم أتعامل معها بعشوائية، بل أخضعتها للدراسة والتحقق، كما تقتضي المهنية. لكن يبدو أن مجرد الاقتراب من هذه الملفات كان كافياً لفتح أبواب المواجهة.
أما بيان اتحاد الصحفيين، فقد كان مخيباً للآمال، ليس فقط في مضمونه، بل في لغته أيضاً. فاختزال ما حدث في كلمة “استدعاء” بدلاً من “قبض” ليس مجرد خطأ لغوي، بل خطأ مهني يعكس غياب الدقة، وربما غياب الإرادة في قول الحقيقة كاملة.
ما يحدث في دنقلا ليس مجرد حالة فردية، بل نموذج يستحق التوقف عنده. هناك ملفات عديدة، وقضايا لم تُفتح بعد، وأخرى أُغلقت دون إجابات. الحديث لن يتوقف، والكتابة لن تتراجع، لأن الصمت في مثل هذه الحالات ليس حياداً، بل تواطؤ.
هذه ليست معركة شخصية، بل معركة وعي، ومعركة حق في مواجهة تجاوزات يجب أن تُكشف. وما بدأ لن ينتهي هنا، فالقادم يحمل الكثير، وسيُقال كل ما يجب أن يُقال، مهما كانت التحديات.








