دعاش الخير
محمد كبوشية
هل يطفئ بيان الطاقة لهيب التصريحات ؟؟
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتختلط فيه الحقائق بالأكاذيب، جاء بيان وزارة الطاقة الصادر أمس ليحسم الجدل الدائر حول الإمدادات البترولية ويصحح المسار الذي كادت بعض التفسيرات الخاطئة أن تقود المواطنين إليه. لقد أحدثت تصريحات السيد وزير الطاقة المهندس المستشار المعتصم إبراهيم ضجة إعلامية أساء البعض فهمها، مما استدعى هذا التوضيح الجوهري الذي يحمل في طياته رسالة اطمئنان صريحة للشارع السوداني.
البيان لم يكن مجرد نفي للإشاعات، بل كان كشفاً تفصيلياً عن واقع المخزون الاستراتيجي للبلاد. فالأرقام التي قدمتها الوزارة تُسكت كل من روّج لأزمة وشيكة في المحطات (مخزون البنزين يكفي لـ 88 يوماً، والجازولين لـ 54 يوماً، مع وجود بواخر محملة بالوقود تنتظر دورها في الميناء). هذا يعني أن ما حدث من تدافع لم يكن مبرراً، وأن ما قيل عن “نقص” هو مجرد هلع استبق الأحداث…
لكن التضارب الظاهري بين تصريح الوزير والبيان التوضيحي يعكس في الحقيقة تحدياً أكبر، هو تحدي توصيل المعلومة الدقيقة في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد. فحديث الوزير ربما ركز على وجود ضغط على المنظومة بسبب تخريب بعض المواعين، بينما ركز البيان على الطمأنة بأن الإمداد الكلي لم يتأثر. إنها معادلة صعبة بين الشفافية التي تقتضي ذكر التحديات، وبين المسؤولية الوطنية التي تحتم طمأنة المواطن.
ما يعزز المصداقية في هذا البيان هو اعترافه الصريح بوجود مشكلة، وهي تدمير بعض مواعين تخزين الغاز بفعل هجمات ميليشيا الدعم السريع على بورتسودان. هذا الإقرار بالواقع الأليم، إلى جانب تأكيد وجود بدائل وخطط تشغيلية، يمنح الثقة للمواطن بأن وزارته تتعامل بشفافية مع الواقع الصعب.
غير أن هذا البيان يفتح الباب أمام تساؤل مشروع حول آلية التواصل الحكومي، ولماذا يتحتم على الوزارات إصدار بيانات توضيحية في كل مرة بعد تصريحات وزرائها؟ هنا يبرز دور رئيسي لوزير الإعلام خالد الإعيسر الذي يجد نفسه في مواجهة متكررة مع تداعيات تصريحات غير منسقة تضع مؤسسة الإعلام الحكومي في موقف المُصحح والمُفسر بدلاً من أن تكون ناقلاً لرسالة واضحة ومستقرة. مثل هذه الحوادث تسبب إحراجاً بالغاً لوزير الإعلام الذي يفاجأ هو الآخر بتصريحات تثير البلبلة، فيُحمَّل عبء احتواء الأزمة إعلامياً وتصحيح المسار، بدلاً من أن ينشغل بمهامه التطويرية والتنسيقية.
إن تكرار سيناريو “تصريح مثير للجدل – بيان توضيحي” يستدعي وقفة جادة داخل أروقة الحكومة، ويفرض ضرورة مراجعة الوزراء والمتحدثين الرسميين لتصريحاتهم قبل إطلاقها والتأكد من دقتها وخلوها من أي لبس قد يُساء فهمه. فالتنسيق المسبق مع وزارة الإعلام ليس إجراءً شكلياً، بل هو ضرورة ملحة للحفاظ على مصداقية الخطاب الرسمي، وتجنيب البلاد موجة من التكهنات والهواجس غير الضرورية في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى توجيه رسائل واضحة ومطمئنة للمواطن الذي يتطلع إلى استقرار معلومته كما يتطلع إلى استقرار وقوده.
غير أن الطمأنة الحكومية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بموقف حازم يُعيد هيبة الدولة ويضبط إيقاع اللاعبين في هذا القطاع الحيوي. ففي خضم هذه الجدل الإعلامي، يتردد في الكواليس حديث خطير عن توقف شركات استيراد خاصة عن البيع بحجة تكبدها خسارة 700 جنيه في اللتر الواحد. هنا يجب أن تتوقف الحكومة طويلاً أمام هذا المبرر الواهي. فالمسؤولية الوطنية تعلو فوق أي اعتبار تجاري، خاصة في قطاع يتصل بأمن المواطن اليومي واستقرار البلاد و يكفي ما حققته هذه الشركات من أرباح خلال السنوات الثلاث الماضية في ظل ظروف استثنائية كانت الأرباح فيها مضاعفة.
أخر الدعاش:
إن فرض هيبة الدولة يعني عدم ترك السوق فريسة للمضاربات والتوقف عن البيع بحجة الخسارة، فالوقود سلعة استراتيجية لا تحتمل منطق الربح والخسارة وحده، بل فوقه منطق المسؤولية الوطنية وأمن المواطن و يبقى الأهم هو أن تتحول هذه الأرقام إلى واقع ملموس في محطات الوقود. فالمواطن البسيط لا يهمه عدد الأيام التي يكفيها المخزون بقدر ما يهمه أن يجد الوقود متاحاً عندما يقف أمام محطة الوقود.








