مقالات

خالد سعد يكتب :وطأة (اقتصاد الحرب) ومخرج (القضارف)

لطالما ارتبطت موجات الغلاء في السلع الغذائية بجشع التجار ودور السماسرة، إذ يصعب على كثيرين تصور أن بلدا زراعيا في الأساس يمكن أن يواجه مثل هذه الارتفاعات الحادة إلا بفعل فاعل.

غير أن الواقع اليوم يكشف عن عامل أكثر تأثيرا في تضخم الأسعار، هو اقتصاد الحرب في بيئة مختلة اصلا هيكليا. فمع استمرار النزاع محليا، واندلاع الحرب في الشرق الاوسط، تنخفض قيمة العملة الوطنية بصورة حادة، ويزيد الطلب على العملات الأجنبية، فيما تتعرض سلاسل الإمداد التقليدية للتفكك، وهو ما يدفع أسعار الغذاء إلى مستويات فوق طاقة الاغلبية من المواطنين.
تشير بيانات منصة مراقبة أسعار السلع الأساسية التابعة لبرنامج السودان في معهد أبحاث السياسات الغذائية، إلى أن أسعار عدد من السلع الغذائية الرئيسية شهدت قفزات حادة خلال العام الماضي. فقد ارتفع متوسط سعر دقيق القمح من نحو 1369 جنيها للكيلوغرام إلى حوالي 2754 جنيهًا خلال عام واحد، بزيادة تقارب 101%. (المقارنة الرقمية تقديرية ولا تشمل تطورات الاسواق حاليا)
كما ارتفع سعر الذرة –وهي الغذاء المكافح الأول للجوع- من 588 جنيها إلى نحو 1497 جنيها للكيلوغرام، أي بزيادة بلغت 155% خلال الفترة نفسها. ولم تكن هذه الزيادات معزولة، إذ تشير البيانات أيضا إلى أن تكلفة سلة الغذاء الأساسية ارتفعت من 1616 جنيها إلى نحو 3365 جنيها خلال عام واحد، بزيادة تجاوزت 108%.

# الصورة توليد من الذكاء الاصطناعي.

هذه الارتفاعات الحادة في الأسعار ترتبط في الاساس بطبيعة الاقتصاد في ظل الحرب، وليس فقط نتيجة لنشاط العرض والطلب في الأسواق، فحتى الزيادات الأخيرة التي أعلنتها حكومة كامل ادريس في رواتب العاملين في الدولة تبدو غير قادرة على ملاحقة هذا التسارع الكبير في الأسعار، في حين تضاعف أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية خلال عام واحد، وتظل الزيادات في الأجور (بالعملة الوطنية) محدودة مقارنة بمعدلات التضخم، وهو ما يؤدي عمليا إلى تآكل القوة الشرائية لقطاعات واسعة من المواطنين.
يعتقد اختصاصيو الاقتصاد أن ما يجري في بلادنا يندرج تحت مفهوم اقتصادي هو ( تضخم التكلفة) أي ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والمواد الخام، وليس بسبب زيادة الطلب على السلع، حيث تلعب عدة عوامل دورا رئيسيا في هذا التضخم في مقدمتها انخفاض قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع الوقود والعملات الأجنبية، وارتفاع في أسعار المدخلات الزراعية مثل الأسمدة والآليات وقطع الغيار، فضلا عن تفكك سلاسل الإمداد بسبب الحرب.
كل هذه العوامل تجعل تكاليف إنتاج سلع الغذاء ونقلها ترتفع بشكل كبير، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق، حتى تلك التي يفترض أنها محلية الإنتاج مثل الذرة والدخن والقمح.
يسهم انخفاض قيمة الجنيه السوداني في ارتفاع أسعار السلع، فالعملة المحلية التي فقدت جزءا كبيرا من قيمتها جعلت تكلفة استيراد الوقود والأسمدة وقطع غيار الآليات الزراعية تتضاعف، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية. وفي الوقت نفسه، أدت الحرب إلى تفكك سلاسل الإمداد التقليدية، مما زاد من صعوبة نقل سلع الغذاء من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، خصوصا في المدن الكبرى، وكانت النتيجة حتى الحبوب المنتجة محليا مثل الذرة والدخن، شهدت ارتفاعات هائلة، كما أظهرت بيانات منصة الأسعار، حيث تضاعف سعر الدقيق تقرييا خلال عام واحد، وارتفع سعر الذرة بنسبة 155٪، بينما ارتفعت تكلفة سلة الغذاء الأساسية أكثر من 108٪.
من المهم التمييز بين التضخم العام الذي يقيس متوسط ارتفاع أسعار السلع والخدمات في الاقتصاد ككل، وبين تضخم التكلفة الذي يركز فقط على العوامل المؤثرة في أسعار السلع الغذائية، ففي كثير من الحالات، قد يظهر التضخم العام تباطؤا نسبيا نتيجة عوامل إحصائية أو استقرار مؤقت في بعض القطاعات، بينما تستمر أسعار الغذاء في الارتفاع بوتيرة أسرع بكثير.
وفي ظل اقتصاد الحرب، تشكل السلع الغذائية الجزء الأكبر من إنفاق الأسر في السودان، وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعار الحبوب أو الزيت أو السكر ينعكس مباشرة على مستوى المعيشة، حتى لو أظهرت المؤشرات الكلية أن معدل التضخم العام يتراجع نسبيا كما ظهر ذلك في بيانات التضخم المعلنة.
الخرطوم التي تتعافى لأن تعود عاصمة سياسية أو مركز اقتصادي كما كانت في السابق، تصبح نموذجا واضحا لتأثيرات اقتصاد الحرب على صعيد اسعار السلع الاستهلاكية الاساسية، حيث ما تزال أحياء واسعة في العاصمة مناطق شبه خالية، وما تزال الأنشطة التجارية والأسواق بطيئة، وهي التي كانت تمثل العمود الفقري لتجارة السلع الغذائية.
هذا الوضع -ضمن اسباب أخرى – دفع أعدادا كبيرة من المواطنين لخيار البقاء في الولايات الأخرى الآمنة، ما يؤدي إلى استمرار الضغط على الأسواق المحلية، ويتضح ذلك من عدم انخفاض في اسعار السلع الغذائية والإيجارات والخدمات الأخرى.
ورغم الحديث المتكرر عن العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، فإن الواقع الاقتصادي يمثل عاملا حاسما في تحديد سرعة هذه العودة، فالكثير من الأسر التي استقرت في دول الجوار أو في مناطق أكثر استقرارا داخل السودان باتت تقارن بين تكاليف المعيشة هناك وتكاليف الحياة في مناطق العودة.
على سبيل المثال، تشير ملاحظات ميدانية وتقارير متداولة إلى أن تكلفة المعيشة في بعض دول اللجوء –مثل مصر– قد تبدو أكثر انخفاضا نسبيا مقارنة بالوضع الاقتصادي داخل السودان في ظل التضخم الحاد وانخفاض العملة، ما يجعل قرار العودة ليس مجرد قرار أمني، بل قرارا اقتصاديا أيضا.
في هذا الوضع، تبرز ولاية القضارف كأحد أهم الولايات التي يمكن أن تلعب دورا مهما في ايجاد مخرج للاوضاع الاقتصادية الاستثنائية، فالقضارف تتميز بعدة عناصر تجعلها مرشحا طبيعيا لتعويض بعض الضغوط على الخرطوم والمناطق المتضررة من النزوح، ومتنفسا عاما للاحتقانات الحادة في ظل اقتصاد الحرب المتشعب.
تشير المقارنة التي اعتمدت على منصة مراقبة الأسعار في السودان التابعة لمعهدIFPRI ، إلى أن القضارف هي الولاية الأقل كلفة من ناحية اسعار السلع الغذائية (الأساسية)، ما يجعلها أكثر قدرة على استيعاب الأسر النازحة أو العودة الطوعية خاصة إذا توفرت فرص التمويل والعمل وبعض الخدمات الاساسية مثل الكهرباء والماء.
تعتمد القضارف بشكل رئيسي على الزراعة المطرية، ما يقلل تكاليف الإنتاج مقارنة بالزراعة المروية أو المستوردة، وهي تنتج كميات كبيرة من الحبوب الأساسية مثل الذرة والدخن، ما يوفر مخزونا محليا يمكن استخدامه لتخفيف ضغط الأسعار.
مع ذلك، ليست الأمور خالية من المخاطر، فالولاية حدودية وتقع قرب مناطق نزاع إقليمي، تشمل النزاع الإثيوبي-الإريتري، والمشاحنات الحدودية، وهناك تقارير جدية تشير إلى إقامة معسكرات تدريب وإمداد لقوات الدعم السريع على الحدود، وهذه المخاطر يمكن أن تعرقل الزراعة وتزيد من تكلفة النقل وتفكك الأسواق، وبالتالي تحد بشكل كامل من قدرة القضارف على لعب دور الاستقرار الذي سيكون مؤقتا نتيجة استمرار الحرب.
رغم هذه التحديات، تظل القضارف نموذجا محتملا لتجربة الحلول إذا ما تم التركيز على تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي بالمدخلات اللازمة من وقود وأسمدة وميكانيكا وعمالة، وتأمين خطوط النقل والاسواق بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ما يشجع على ممارسة الزراعة والعمل الاقتصادي.
بالطبع يبقى التحدي في تحويل مناطق الانتاج الزراعي إلى قاعدة لفك الاختناق ومساعدة المواطنين في البقاء تحت وطأة اقتصاد الحرب، وأن يمثل هذا المسار جزءا فقط من مشروع تنموي وطني كبير وفق مساومة سياسية شاملة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى