مقالات

عقبات في طريق العودة للسودان (2_2)

النورس نيوز

عقبات في طريق العودة للسودان (2_2)

النورس نيوز _ بقلم: داليا الياس

حين وضعتُ هواجس السودانيين الراغبين في العودة إلى وطنهم أمام ممثلي مجلس الوزراء خلال زيارتهم إلى القاهرة، لم يكن حديثي ترفاً فكرياً ولا جدلاً نظرياً، بل محاولة صادقة لالتقاط بارقة أمل وسط واقع مثقل بالتحديات. كنت أظن أن حجم المعاناة التي يعيشها السودانيون منذ اندلاع الحرب كفيل بأن يضع ملف العودة على رأس أولويات المعالجة العاجلة، لا في إطار الخطابات العامة، بل عبر قرارات عملية ملموسة.

غير أن الرد جاء حاسماً على لسان وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، الذي أوضح أن الحكومة ليست دولة اشتراكية، ولا تملك حق التدخل في حرية ملاك العقارات، وأن تحديد الإيجارات أو ضبط السوق ليس من اختصاصها. من منظور قانوني بحت قد يبدو هذا الطرح متسقاً مع مبادئ اقتصاد السوق، لكن من زاوية المسؤولية السياسية والاجتماعية بدت الإجابة قاسية على واقع استثنائي يتطلب مقاربات استثنائية.

فالدولة، حتى في ظل اقتصاد مفتوح، لا تُعفى من مسؤولية تنظيم السوق عندما تتفاقم الاختلالات، خاصة في أوقات الحروب والنزوح الجماعي. مجلس الوزراء، بوصفه الجهاز التنفيذي الأعلى، يملك صلاحيات إصدار لوائح وضوابط تنظيمية عبر الوزارات المختصة، تكفل الحد الأدنى من التوازن بين حقوق الملاك وحقوق المستأجرين، دون مصادرة أو تعسف، ولكن بروح تنظيمية تحمي الفئات الأكثر هشاشة.

لقد ارتفعت الإيجارات في ولايات اعتُبرت أكثر أماناً، بصورة غير مسبوقة، بعد أن دفعت الحرب آلاف الأسر إلى البحث عن مأوى بأي ثمن. أرقام مضاعفة، وشروط تعاقدية مجحفة، وواقع فرض نفسه على من لا يملك خياراً آخر. ومع بدء الحديث الرسمي عن العودة، برزت عقبتان كبيرتان أمام الحالمين بالرجوع: الإيجارات المرتفعة، والجبايات والرسوم المتزايدة.

أصحاب المحال التجارية والمشروعات الصغيرة، الذين يعوّل عليهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وجدوا أنفسهم أمام قوائم طويلة من الرسوم والضرائب تستنزف رأس المال قبل أن تبدأ أي دورة إنتاج. فكيف يمكن إقناعهم بالعودة والاستثمار في بيئة غير مستقرة تنظيمياً ومالياً؟

أما شريحة المستأجرين، فقد بدا وكأنها خارج حسابات التفاؤل الرسمي. عبارة “ارجع بيتك حتى لو تفرش برش وبعد شوية تجيب سرير” قد تحمل بُعداً رمزياً مشجعاً، لكنها تصطدم بواقع أن كثيرين لا يملكون أصلاً بيتاً يعودون إليه، أو أن بيوتهم مؤجرة، أو تحتاج إلى صيانة تتجاوز قدرتهم المالية.

لم يكن الطرح دعوة لمصادرة حقوق الملاك، ولا مطالبة بتأميم السوق، بل دعوة لضبط التفلتات، وكبح الممارسات الاستغلالية، ووضع أطر زمنية أو استرشادية توازن بين العرض والطلب في ظرف استثنائي. يمكن للحكومة – إن أرادت – أن تتبنى حزمة من الإجراءات مثل إعفاءات جمركية مؤقتة لمواد البناء، أو تسهيلات استيراد للمستلزمات الأساسية، أو حوافز ضريبية للملاك الذين يلتزمون بأسعار عادلة، إضافة إلى مراجعة الرسوم المفروضة على الأنشطة الصغيرة.

ويُحسب لرئيس مجلس الوزراء أنه تدخّل بتعقيب أكثر توازناً، داعياً إلى تحكيم الضمير وتعزيز المبادرات المجتمعية التي تخفف العبء عن العائدين. كما أُشير خلال اللقاء إلى تشكيل لجان لمراجعة الجبايات واستقبال الشكاوى، وهي خطوة إيجابية إذا ما اقترنت بالتنفيذ الفعلي والشفافية.

إن قرار العودة لا يمكن أن يقوم على النداءات العاطفية وحدها، مهما كانت وطنية ومخلصة. العودة تحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة، وإلى ضمانات للعيش الكريم، وفرص عمل حقيقية، وسوق منظم يمنع الاستغلال. فالمواطن الذي يعود دون دخل، أو يصطدم بإيجار يتجاوز قدرته، أو يواجه رسوماً تثقل كاهله، لن يشعر بأنه عاد إلى استقرار، بل إلى معادلة أكثر تعقيداً.

تلويح:

حتماً… نعود.

لكن العودة الآمنة لا تُبنى بالشعارات، بل بالسياسات المتوازنة التي تضع الإنسان في قلب المعادلة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى