مقالاتالأخبار الرئيسية

هل يعيد التاريخ مشهد إبادة الهنود الحمر في منطقتنا؟

النورس نيوز

الصهيونية و”درب الدموع” في الشرق الأوسط:

هل يعيد التاريخ مشهد إبادة الهنود الحمر في منطقتنا؟

بقلم: محمد الحسن محمد نور*

في دهاليز السياسة الدولية، وأروقة الإعلام الغربي، غلبت لسنوات الرواية التي تصور نشوء إسرائيل كقصة “عودة” أو “خلاص” لشعب مضطهد تعرض للإبادة. لكن القراءة المتأنية للتاريخ، والتدقيق في المشاهد الدامية التي تنقلها الشاشات اليوم من غزة والسودان ولبنان، تكشف عن حقيقة أكثر قتامة: نحن لسنا أمام “نزاع حدودي بين دولتين” أو “صراع ديني بين ملتين”، بل أمام آخر وأعقد فصول الاستعمار الإحلالي البدائي؛ حيث تُستنسخ مأساة السكان الأصليين للقارة الأمريكية فوق تراب غزة والسودان وكامل منطقة الشرق الأوسط، كما يعلن أساطينهم بكل جرأة.

مشروع وظيفي بامتياز

لم تكن الصهيونية يوماً مشروعاً “لإنقاذ” يهود أوروبا كما يزعمون؛ فالدول الغربية التي تباكت عليهم بعد المحرقة هي ذاتها التي كانت قد مارست ضدهم الاضطهاد لقرون انتهت بحرقهم في أفران هتلر. لقد كانت الصهيونية “حلاً أوروبياً” للتخلص من اليهود وتوظيفهم في آن واحد كـ”رأس حربة” استعماري في قلب منطقة الشرق الأوسط.

إنها الانتهازية السياسية في أبشع صورها؛ حيث تم استخدام الضحايا السابقين كأدوات وظيفية لتأمين مصالح الإمبراطوريات، تماماً كما استُخدم المرتزقة في حروب التوسع الكبرى.

نزع القناع عن “الخلاص” الزائف

لطالما تلحف قادة الكيان الصهيوني بالخطاب الديني “الخلاصي”، مدعين أن أفعالهم مستمدة من نصوص مقدسة. لكن العالم يشهد اليوم أفعالاً يتبرأ منها كل دين وأخلاق: قتل ممنهج لا يستثني أحداً، هدم للبيوت، تجويع وتعطيش، وإبادة جماعية في أبشع صورها، وأكثر. هذه الممارسات لا تمت لليهودية ولا لأي دين بصلة، ولكنها “عقيدة المستعمر” الذي لا يرى في صاحب الأرض بشراً يستحق الأرض التي تحت أقدامه، أو حتى يستحق الحياة ذاتها، بل عائقا بيولوجياً خبيثا يجب إزالته والتخلص منه.

من “الركبة المكسورة” إلى غزة والسودان

إن سياسة “الأرض المحروقة” والتهجير القسري تعيدنا لاستحضار التاريخ الأسود لإبادة الهنود الحمر الأمريكيين. إن ما تواجهه شعوب المنطقة اليوم يمثل بحق النسخة المعاصرة من “درب الدموع” (Trail of Tears)؛ تلك المسارات التي أُجبر فيها السكان الأصليون في أمريكا على السير نحو فنائهم.

إن مشهد النازحين في غزة وفي معسكرات الموت في غرب السودان وهم يبحثون عن مأوى أو حتى جرعة ماء تحت القصف يعيد إنتاج مذبحة “الركبة المكسورة” (Wounded Knee)، حيث كانت الجريمة الوحيدة للضحايا هي “وجودهم” فوق أرضهم التي يطمع فيها المستعمر.

حرب الوكالة الكبرى

إن الدعم الأمريكي المطلق لهذا السلوك الإجرامي يرفع الستار عن الحقيقة النهائية: إسرائيل ليست دولة، بل هي “قاعدة استعمارية متقدمة”. الغرب لا يأبه باليهود ولا يكترث لأمنهم، وانما يهمه بقاء هذه “الأداة الوظيفية” قادرة على هدم أي محاولة للنهوض الإقليمي. إن الإنسان في منطقتنا اليوم لا يحارب الصهيونية وحدها، بل يحارب المنظومة الاستعمارية التي صممت هذا الكيان وسلحته بالسلاح النووي ووفرت له كل أشكال التفوق التقني ليبقى ويتوسع كأداة إبادة بالوكالة.

خاتمة: شريعة الغاب وإعادة رسم الخرائط

لقد سقطت الأقنعة الآن؛ فرئيس الولايات المتحدة الأمريكية يعلن بصراحة وجرأة لا لبس فيها بأنه سيستولي على احتياطيات النفط والممرات البحرية حول العالم. بدأ بفنزويلا؛ اعتقل رئيسها وأعلن نفطها تحت تصرفه، ثم وجه أساطيله نحو الشرق الأوسط ليبدأ بإيران، وهو الآن يقاتل جنباً إلى جنب مع إسرائيل لكي يستولي على النفط والممر المائي الأهم “مضيق هرمز”.

إن الدروس القاسية التي عاشتها شعوب المنطقة تجعلها اليوم أكثر وعياً ويقيناً بحقيقة ما يجرى وحقيقة إسرائيل التي تعلن الآن أنها تغير “وجه الشرق الأوسط”، وتعترف بـ “أرض الصومال”، وتقول لكل دول المنطقة نحن “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، ولا نكتفي بذلك.

نحن أمام الاختبار الأخلاقي الأخير للعالم: فإما أن ينتصر منطق “صاحب الأرض”، أو يشرعن العالم عودة شريعة الغاب، حيث يُباد السكان الأصليون بصمت وتحت مباركة القوى الكبرى التي قذفت بالأمم المتحدة وميثاقها وكل ما بناه العالم من مفاهيم التعايش السلمي الي المزبلة مع النفايات والقاذورات، ثم اندفعت تتصرف تماماً مثلما فعلت قبل قرون في الغرب الأمريكي.

فهل تكفي كل هذه الدروس المريرة لكي يتكاتف أصحاب الأرض ويتحرروا من السحر الأسود؟.

* كاتب ومحلل سياسي مستقل

nourmohammed481@gmail.com

17 أبريل 2026

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى