مقالات

حديث المدينة ـ عثمان ميرغني يكتب: لن تحكمنا بوستة لندن..

الثلاثاء 21 أبريل 2026

في المرحلة الثانوية، عندما كنا بمدرسة بحري الثانوية، كنا نجاري الطقس السياسي في بلادنا بتظاهرات أو اعتصامات، حسب المتوفر في الساحة. وكانت أعظم لحظة تهزنا من الأعماق عندما نستخدم الإذاعة المدرسية في بث الأغاني الوطنية. فعندما ينطلق صوت وردي أو محمد الأمين بالأكتوبريات، نشعر أننا نعيش في عالم آخر.
ثم نخرج أحيانًا بالمظاهرة خارج أسوار المدرسة في اتجاه سوق بحري، حيث يوفر لنا زحام السوق جماهير مجانية نختلط معها، فنحقق هدفين: الأول تعقيد مهمة الشرطة في مطاردتنا، والثاني الإحساس بأن العدد أكبر، رغم أن المتسوقين ما كانوا يتجاوبون معنا، ففي نظرهم نحن مراهقون مشاغبون يتركون مقاعد الدراسة ليتمتعوا بأوهام السياسة.
كانت أكبر مشكلة تواجهنا في هذه التظاهرات عندما تتجاهلنا أحيانًا الشرطة ولا تأتي لفضّ التظاهرة. كنا نعتبر ذلك فشلًا صريحًا لتظاهرتنا، ونفرح عندما نرى سيارات الشرطة وهم يحملون القنابل المسيلة للدموع، فهي أيضًا شرط لاكتمال نجاحنا. فأجمل لحظات النضال عندما تسيل دموعنا بفعل دخان هذه القنابل، ونسرع لنبلل قطعة قماش لنمسح بها وجوهنا الصغيرة.
عندما وصلنا المرحلة الجامعية، ونظرنا خلفنا، كنا نضحك من الشعارات والهتافات التي رفعناها في تلك التظاهرات. رويت لكم قصة صديقي الذي سألني ونحن في الجامعة: «لماذا كنتم تهتفون: لن تحكمنا بوستة لندن؟ ما علاقة بوستة لندن بحكم السودان؟» فقلت له: «لم نكن نهتف ضد بوستة لندن، بل بورصة لندن.. ولكن حتى البورصة لم نكن نعلم ما ذنبها».
خلال فترة الجامعة، تصادف أثناء عبوري مع أحد أصدقائي بميدان أبو جنزير بالخرطوم، مرور مظاهرة من الجيل الذي حمل راية التظاهرات بعدنا. وتعاملت معها الشرطة فأصابنا بعض لفحات الغاز المسيل للدموع. فقال لي صديقي بدهشة: «يبدو أن الشرطة غيرت البنبان.. هذا نوع جديد حار جدًا». فسمعنا أحد الطلاب المتظاهرين، فقال لنا وهو يدقق فينا بنظرة اشمئزاز: «البنبان ما اتغير.. أنتو اللي اتغيرتو.. البنبان ما حار.. أنتو اللي بردتو».
عندما أنظر من شرفة التاريخ لكل هذه الأحداث والتموجات الشعبية، يخامرني إحساس عجيب بأن بلدنا السودان وشعبنا السوداني هو ضحية تلك الشعارات التي كنا نرفعها في تظاهراتنا.
مسرح السياسة يبدو أقرب إلى مسرح العبث؛ لا يشترط أن يكون لما نقول أو نفعل معنى. إحساس النضال المتوهم يجعل الغاية في الشعارات والهتافات، ولا شيء قبلها ولا بعدها.
والبطل هو من يهتف أكثر، ويرفع شعارات أكثر.
ولا يزال الحال هو نفس الحال.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى