مقالات

حديث المدينة ـ عثمان ميرغني يكتب: كم تبلغ قيمة الإنسان السوداني؟

الأحد 19 أبريل 2026

نعلم أن لكل لاعب في كرة القدم «ثمنًا». بورصة اللاعبين في حركة نشطة، لا يستقر سعر اللاعب على رقم ثابت؛ يصعد ويهبط حسب الأداء في الميدان وعوامل أخرى أيضًا.
وبالطبع، أندية كرة القدم لا تدفع للاعب من أجل خاطر عيونه. هي حسابات رقمية صريحة ليس فيها حياء. اللاعب يدرك ذلك ولا يغضب أن يكون سلعة إبداعية تُباع وتُشترى. والنادي يدفع عن رضا كامل ملايين الدولارات، والجمهور يصفق للعبة الحلوة ويفرح عندما يعلن ناديه المفضل عن تسجيل لاعب جديد.
الحسابات هنا دقيقة، مبنية على العائد من اللاعب مقارنة بتكلفة شرائه، ثم أجره ومصروفاته الأخرى. ولا بد أن يحقق اللاعب عائدًا ماليًا يفوق المصروفات التي أُنفقت وتُنفق عليه.
وعندما يبدأ منحنى سعر اللاعب في التراجع، فإن النادي ينظر بتوتر إلى النقطة الفاصلة التي يتقاطع فيها منحنى السعر مع العائد؛ نقطة التعادل التي بعدها تفوق التكلفة ما يحققه اللاعب من إيرادات في الميدان أو عبر الإعلانات وغيرها من المصادر غير المباشرة.
قد يصبر النادي قليلًا إذا استمرت «الخسارة» لعدة أشهر، لكن بالضرورة لن يتجاوز الموسم، فيتخلى عن اللاعب باعتبار أن تكلفته أعلى مما يحققه.
لماذا لا نتعامل مع العمل العام الحكومي بهذا الفهم؟
لكل موظف حكومي تكلفته، والعائد منه. فإذا زادت التكلفة على العائد، فمن الممكن ممارسة نوع من «الإنعاش» بمحاولة مساعدة الموظف العام على تجاوز التراجع والارتقاء بعمله. فإذا لم يتحقق تغيير إيجابي، هنا يصبح من المحتم إطلاق سراح الموظف الحكومي وإعفاؤه من المنصب.
بمعنى أن لكل موظف حكومي قيمة وسعرًا، هو خلاصة ناتج العائد منه بعد خصم تكلفته؛ إما ربح أو خسارة.
وفي المقابل.. كم تبلغ قيمة الإنسان السوداني؟
يُلاحظ أن بعض الدول العربية التي يفد إليها أعداد كبيرة من الأجانب للعمل فيها، تُقسِّم العاملين الأجانب إلى فئات، وأحيانًا تجعل لعقود العمل لونًا يحدد الفئة التي ينتمي إليها الموظف حسب جنسيته.
وبهذا التقسيم ترتفع قيمة الموظف الغربي عمومًا (الأمريكي والأوروبي)، يليه في السعر القادم من دول أوروبا الشرقية، ثم بعده الموظف من قارة آسيا، وفي النهاية ربما أفريقيا.
ورغم أن كفاءة وقدرات الموظف ترتبط به شخصيًا، فإن مثل هذا التصنيف ينظر إلى معايير أخرى كثيرة تجعله صالحًا بمبدأ «المفهوم السائد». فالمفهوم السائد أن الجنسيات الغربية أكثر كفاءة واهتمامًا بالعمل.
نعود للسؤال: كم تبلغ قيمة الإنسان السوداني؟ لنفترض أن الإجابة مطلوبة بالدولار الأمريكي.
مائة ألف؟ أم ثلاثمائة ألف دولار؟
أم مليون؟ ثلاثة ملايين دولار؟
أم عشرة ملايين دولار؟ أم مائة مليون دولار؟
كم تبلغ قيمة الإنسان السوداني؟
لتسهيل الإجابة، فلنقل إن القيمة الحالية تساوي «س»، حيث «س» قيمة رقمية متروك تحديدها حسب تقييم الطرف الآخر الذي يتعامل مع الطرف السوداني.
مثلًا: سوداني يعمل في الخليج لدى شركة معينة، يجتهد في عمله وارتفعت حالة الرضا عنه لدرجة أن الشركة لا تكاد تستطيع الاستغناء عنه، فهو يحقق لها أرباحًا كبيرة. القيمة «س» هنا تعادل عشرة ملايين دولار.
إذا اجتهد أكثر، ربما في السنة التالية تصبح س + ثلاثة ملايين دولار.
وموظف سوداني آخر، كسول ومهمل، قيمته الراهنة س = عشرة آلاف دولار فقط.
في السنة التالية استمر في مزيد من الإهمال، فأصبحت قيمته س – 5000 دولار. وهكذا.
وصلنا إلى النقطة التي أريد استنباطها:
بهذا المفهوم، فإن الهدف الأعلى للحكومة السودانية يجب أن يكون:
تعظيم القيمة «س».
سأعود لمزيد من التوضيح.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى