تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أمس الأول الثلاثاء 24 فبراير 2026، لمدة ساعة و48 دقيقة في مبنى “الكابيتول” بواشنطن، أمام المشرعين الأمريكيين (مجلسي النواب والشيوخ) وبعض الشخصيات القضائية والعسكرية وغيرهم. قدّم خطاباً رصد فيه إنجازاته خلال السنة الأولى من ولايته الثانية، وملامح خطة لما تبقى منها. صفق له البعض، وقاطعه آخرون، وهتف ضده فريق ثالث.
النظام الأمريكي في الحكم يعلّق رقبة الحاكم طوال سنوات ولايته في حبال تمتد بطول شارع “بنسلفانيا”، من البيت الأبيض إلى “الكابيتول”. يظل الرئيس في حاجة إلى التأييد المعنوي لسياساته، والدعم الحقيقي لها بالتصويت على مشروعاته وطلب الميزانيات، وهو ما يُطلق عليه نظام “توازن السلطات”.
رئيس الولايات المتحدة في يده سلطات واسعة، لكنها مراقَبة ومسيطر عليها من سلطتين أخريين: السلطة التشريعية في الكونغرس، التي لا يستطيع إكمال كثير من قراراته إلا بموافقتها (مثلاً: يرشح الرئيس السفراء، لكن اعتماد التعيين يتوقف على موافقة مجلس الشيوخ)، والسلطة القضائية التي تستطيع إلغاء قراراته بسهولة.
مهما كان الرئيس شاطحاً في خطابه وسياساته، فإنه لا يستطيع فرض إرادته الذاتية إلا في الحدود الضيقة التي يحددها الدستور الأمريكي، ويراقبها الكونغرس والقضاء.
وعندما يقف ترمب أمام الكونغرس ويبذل جهده لينال رضا وقبول المشرعين، فلأنه يدرك أنه لا يحكم إلا بدعمهم. فيصبح خطاب “حالة الاتحاد” تجديداً لتقديم أوراق اعتماد الرئيس وسياساته.
في وطننا الحبيب، السودان، ما هي دوائر صنع القرار وحدود الصلاحيات؟ وما هي أدوات ضبط “توازن السلطات” التي بدونها قد يصبح الوطن أشبه بسيارة بلا “فرامل” ولا “دركسون”، غير قابلة للتوجيه أو السيطرة؟
في علوم السياسة عبارة شهيرة تقول:
“السلطة لا تُمتلك، بل تُمارس”
(Power is not possessed, it is exercised.)
أي إن معايير قياس القوة تكمن في القدرة على ضبط ممارستها بأعلى درجة منتجة، ولا يتحقق ذلك إلا بتوفر مؤسسات تدعم السلطة بما يضمن توازنها.
وعلى رأس هذه المؤسسات: المجلس التشريعي (أي البرلمان)، وبالضرورة مؤسسات العدالة من مجلس القضاء الأعلى، ومجلس النيابة العامة العالي، والمحكمة الدستورية.
حالياً، كل هذه المؤسسات غائبة تماماً.
ولا أعرف: إن أراد رأس الدولة أن يلقي خطاب “حالة الدولة”، فأين ولمن يقدمه؟
تقليص المؤسسات يضعف الدولة، مهما ظن البعض أنه يقوّي الأشخاص. فقوة القيادة في قوة المؤسسات، وليست في هيمنة الأشخاص









