عمار العركي يكتب.. خبر وتحليل: مصر والسودان: من يعبث بإعدادات العلاقة؟
النورس نيوز
خبر وتحليل
عمار العركي
مصر والسودان: من يعبث بإعدادات العلاقة؟
* ما يُثار من جدل حول الإجراءات التنظيمية التي تقوم بها الحكومة المصرية تجاه الوجود السوداني المخالف وغير الشرعي، لم يكن– في حقيقته– بالحجم والأبعاد التي يحاول البعض تصويرها، أو استدعاؤها إلى ذاكرة العلاقات بين البلدين، على نحو يُشبه محاولات فاشلة لإحياء أجواء توتر عابرة، كتلك التي أعقبت اللقاء الكروي الفاصل بين مصر والجزائر في أم درمان.
* وبمتابعة ردود الأفعال، يمكن ملاحظة ثلاثة اتجاهات واضحة: اتجاه أول اندفع لتحميل السلطات المصرية المسؤولية الكاملة، بلغة قاسية، وكأن المطلوب من مصر أن تتحمل العبء بلا أي تنظيم، أو حسابات أمنية، أو قوانين.
* واتجاه ثانٍ، أكثر هدوءًا في الظاهر، لكنه لا يقل إشكالًا، استخدم لغة عاطفية، يلوم مصر بلطف، لكنه في النهاية يضعها في موضع الاتهام، دون النظر إلى حجم الضغط الذي تعيشه الدولة والمجتمع المصري.
* أما الاتجاه الثالث، وهو الأخطر، فقد استغل الموضوع بالكامل لإشعال الفتنة والشقاق، وضرب العلاقة بين السودانيين والمصريين، وتحويل أي إجراء قانوني إلى عداء مفتوح، لا حبًا في السودانيين، بل خدمة لأجندات معروفة لا تريد خيرًا للبلدين.
* د. أماني الطويل ذهبت في اتجاه مختلف، ورجّحت أن ما قامت به مصر جاء بطلب من الحكومة السودانية. وفي رأيي، فإن هذا الطرح يقلّل من حقيقة إدراك السلطات المصرية للمهددات الأمنية، ولحجم المساس بالأمن القومي نتيجة هذا الوجود المخالف.
* بعيدًا عن هذا الضجيج، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها: أن مصر، حكومةً وشعبًا، فتحت أبوابها للسودانيين منذ اليوم الأول للحرب، واستقبلت الملايين، وتقاسمت معهم السكن والعيش وضغوط الحياة اليومية، دون ضجيج أو منّ.
* لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أخرى بنفس الوضوح، مصر دولة، وليست مخيم لجوء مفتوح. لها قوانين، ونظام، ومسؤولية مباشرة عن أمن مواطنيها والمقيمين على أرضها. فالضيافة لا تعني الفوضى، والتعاطف لا يعني غياب القانون.
* والإجراءات الأمنية التي أُثير حولها الجدل لا تستهدف السودانيين كجالية، ولا تميّز بينهم وبين غيرهم، بل تتعامل مع سلوكيات مخالفة للقانون، كما يحدث في أي دولة في العالم. من التزم بالقانون عاش بصورة طبيعية، ومن خالفه خضع للإجراء، بغضّ النظر عن جنسيته.
* المشكلة الحقيقية ليست هنا، بل في الطريقة التي جرى بها تضخيم المشهد. فهناك صفحات وغُرف إلكترونية وأصوات معروفة تعمل على اقتطاع الأحداث من سياقها، ونشر روايات مضخّمة أو ناقصة، بهدف واضح: إضعاف دور مصر المحوري في ملف السودان، وإبعادها عن التأثير والدعم، وضرب الإيقاع بين الشعبين، وبين الشعب السوداني وحكومته، وشق صف الوحدة.
* الأخطر من ذلك أن بعض الناس ينساق خلف هذا الخطاب بحسن نية، فيتحول– دون قصد– إلى جزء من مشكلة أكبر، لا تخدم السوداني ولا المصري.
* كما يجب التذكير بأن الوجود السوداني الكبير في مصر لم يكن أمرًا سهلًا من الناحية الأمنية، بل شكّل ضغطًا حقيقيًا، وصل إلى حد تلقي مصر تهديدات مباشرة من المليشيا بسبب مواقفها الداعمة للشعب السوداني وجيشه.
* ومن غير المنصف تجاهل هذا الجانب، والحديث فقط عن “مكاسب” أو “استفادة”. كذلك، فإن أعدادًا كبيرة من السودانيين فضّلوا البقاء في مصر رغم انتفاء أسباب ودوافع اللجوء والنزوح، وهو أمر لا تتحمل مسؤوليته مصر وحدها، فهناك مسؤولية واضحة تقع على عاتق السودانيين أنفسهم، دولةً وجاليةً وأفرادًا، في احترام قوانين البلد المُضيف، وضبط السلوك، وعدم ترك تصرفات فردية تسيء لصورة الجميع، وكما يقول المثل: جارك لو عسل ما تلحسُه كلو.
خلاصة القول ومنتهاه:
* ما يحدث ليس صراعًا بين السودان ومصر، ولا بين شعبين شقيقين، بل امتحان للوعي واليقظة وتفويت الفرصة على المتربصين.
* مصر أدّت واجبها وأكثر، و«رخّت الحبل» تقديرًا للظرف السوداني القاهر، ومن حقها بعد زوال الظرف الطارئ أن تنظّم شؤونها، والسودانيون يستحقون المعاملة الكريمة، وحقٌّ عليهم رد جميل هذا التعامل، وأقلّه احترام القانون المصري.











