فضائح المحسوبية في السودان: هل أصبحت الدولة ملكاً لعائلات محددة؟
بقلم: رشان أوشي _ النورس نيوز
في السودان، يبقى السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم مشروعاً ومهماً: هل نحن أمام دولة مؤسسات حقيقية، أم أمام شبكة علاقات عائلية تعيد صياغة السلطة حسب مصالح محددة؟ هذا السؤال لا ينبع من العداء لأحد، بل من متابعة الواقع اليومي للسياسة السودانية، حيث تتشابك العلاقات الشخصية مع إدارة الدولة، ويصبح التساؤل عن العدالة في التعيينات ضرورياً وملحاً.
فحين يصبح ابن أخ رئيس الوزراء مستشاراً لرئيس مجلس السيادة، ويشغل خال رئيس مجلس السيادة منصباً مستشاراً لرئيس الوزراء، فإن الأمر يفتح الباب على مصراعيه للتساؤل حول معايير اختيار المسؤولين، وعدالة الفرص، ومبدأ تكافؤ المواطنين في خدمة دولتهم. هذا الواقع، بحسب مراقبين، يضعف الثقة في مؤسسات الدولة ويخلق شعوراً بالحرمان بين الكفاءات الحقيقية، التي تستحق فرصاً متساوية لإحداث فرق في خدمة الشعب.
السودانيون الشباب، الذين خرجوا في الميادين قبل سنوات حاملين آمالهم في بناء دولة القانون، لم يتصوروا يوماً أن تضحياتهم، التي دفعت بهم للقتال من أجل كسر قيود المحسوبية، قد تُهدر عبر إعادة تدوير الوظائف العامة داخل دوائر ضيقة تحمي مصالح عائلات بعينها. السؤال المشروع هنا: ما قيمة هذه التضحيات إذا كانت الدولة، بعد كل النضالات، تختزل في محيط عائلي محدد، يضم أهل الدكتور كامل إدريس وأهل الفريق أول عبد الفتاح البرهان؟
من الواضح أن المحسوبية، مهما كان غطاؤها قانونياً أو سياسياً، هي أحد أبرز وجوه الفساد التي تعيق تطوير الدولة، وتخلق فجوة بين طموحات المواطنين وإمكانياتهم الفعلية في خدمة وطنهم. هذا الواقع يثير إحباطاً واسعاً، ويضع الدولة السودانية أمام اختبار حقيقي في الالتزام بمبادئ الشفافية والكفاءة، بعيداً عن الولاءات العائلية أو المحسوبية.
النقد الموجه لهذه الممارسات لا يهدف إلى مهاجمة أي شخص بعينه، بل إلى تسليط الضوء على أخطر انعكاسات هذا النوع من التعيينات، والتي تقوض ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة، وتضيع الفرص أمام الكفاءات الوطنية التي يمكن أن تُحدث تغييراً حقيقياً في مسار السودان. فالدولة التي حلم بها المواطنون ليست إقطاعية ولا إرثاً عائلياً، بل وطن يتسع للجميع، تُمنح فيه الفرص على أساس الكفاءة، لا القرابة.
ويشدد مراقبون على أن الصمت أمام هذه الممارسات هو ما يشرعنها ويجعلها تتكرر، وهو ما يجعل من واجب أي مواطن أو محلل أو صحفي قول الحقيقة بلا خوف، حتى وإن واجه انتقادات أو ضغوطاً. الدولة التي يُنتظر أن تنهض، تحتاج إلى تقييم مستمر لكل قرار، خاصة عندما يتعلق بتعيينات حيوية في مراكز السلطة.
وفي النهاية، يظل المواطن السوداني يبحث عن دولة تساوي بين أبنائها، وتضع الكفاءة والعدالة فوق أي اعتبارات شخصية أو عائلية. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإصلاحات واضحة، وشفافية في التعيينات، ومحاسبة لكل من يحاول تحويل الدولة إلى ملكية خاصة، مهما كانت الصفة أو المكانة التي يحملها.
هذا المقال هو دعوة للشفافية، وتذكير بأن الحقوق العامة لا تُهدر، وأن الدولة التي يحلم بها الشعب ليست ملكاً لأحد، بل للجميع.








