ولاية الجزيرة: من اقتصاد الحرب إلى مسار التعافي التجاري (2025–2026)
الجزيرة: تاج السر ود الخير
في ظل أوضاع اقتصادية معقدة فرضتها تداعيات الحرب، تمضي ولاية الجزيرة بخطى متدرجة نحو استعادة الاستقرار الاقتصادي، مستندة إلى حزمة من التدخلات المؤسسية التي قادتها وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة، عبر الإدارة العامة للتجارة، بالتنسيق مع الجهات الأمنية والرقابية ذات الصلة..
ويقول د. الحارث مصطفى الشيخ مدير الإدارة العامة للتجارة بولاية الجزيرة، إن عام 2025 شكّل تحدياً استثنائياً للولاية، باعتبارها خارجة من عام حرب خلّف اقتصاداً منهكاً ومجتمعاً متأثراً بشكل مباشر بتداعيات النزاع، إلا أن الجهود الحكومية أسهمت في إحداث اختراق مهم في مسار التعافي الاقتصادي والاجتماعي والأمني.
تأمين السلع واستعادة التوازن
وأوضح مدير الإدارة العامة للتجارة أن غرفة الطوارئ الاقتصادية واللجنة العليا للطوارئ اضطلعتا بدور محوري في توفير السلع الأساسية وتشغيل المخابز وضمان انسياب الدقيق والسكر والزيوت وغيرها من السلع الضرورية، مشيراً إلى أن العمل سار «بصورة منتظمة» حتى وصلت الولاية إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، بل وتحوّلت إلى مخزون داعم لعدد من الولايات المجاورة، من بينها سنار والنيل الأزرق والنيل الأبيض وكردفان، إضافة إلى الإسهام في إمداد الخرطوم بعد تحريرها.
وأضاف أن هذا الاستقرار تحقق بفضل التنسيق المحكم بين الإدارة العامة للتجارة والأجهزة الأمنية، بما فيها الاستخبارات، مباحث التموين، وجهاز المخابرات العامة، وهو ما انعكس مباشرة على استقرار الأسواق وتوفّر السلع.
سياسات السوق وضبط الأسعار
وفيما يتعلق بتحرير الأسعار، أشار د. الحارث مصطفى الشيخ إلى أن الإدارة العامة للتجارة نجحت، رغم غياب التدخل المباشر في التسعير، في إحداث استقرار نسبي في أسعار السلع، عبر تدابير إدارية وأمنية حدّت من حالات الغلاء والمضاربات غير المشروعة، مؤكداً أن مستويات الأسعار الحالية «تتوافق مع الواقع الاقتصادي الذي تمر به الولاية والسودان عموماً».
الرقابة وحماية المستهلك
وبيّن أن الفترات الأولى للحرب شهدت دخول السلع دون رقابة كافية نتيجة الفوضى الأمنية، إلا أن تحسّن الأوضاع مكّن الجهات المختصة من تنفيذ حملات رقابية واسعة، بالتعاون مع المواصفات والمقاييس، استهدفت مكافحة الغش التجاري وسوء التخزين والسلع منتهية الصلاحية، إلى جانب ضبط الأدوية والمبيدات المخالفة، لافتاً إلى أن عدداً من هذه المخالفات أُحيل إلى القضاء، ما أسهم في تقليص التجاوزات وحماية المستهلك.
الميناء الجاف ودوره الاقتصادي
وحول الميناء الجاف، أوضح مدير الإدارة العامة للتجارة أنه أُعيد تشغيله خلال فترة وجيزة بعد تحرير المدينة، عقب أعمال تخريب واسعة، وذلك بجهود مشتركة بين وزارة المالية وإدارة التجارة وإدارة الجمارك. وأكد أن الميناء بات يباشر أعماله بصورة طبيعية، موفراً خدمات التخليص الجمركي والمواصفات والحجر الصحي، ليس لولاية الجزيرة فقط، بل للولايات المجاورة أيضاً، الأمر الذي وفّر الوقت والجهد على الموردين وأسهم في تنشيط الحركة التجارية.
نقطة الجزيرة التجارية والمخازن
وأشار د. الحارث إلى أن نقطة الجزيرة التجارية استعادت نشاطها كمنصة للترويج الإلكتروني لمنتجات الولاية، مع العمل على ربطها بمنصات التجارة الدولية.
كما كشف أن نحو 25 مخزناً تعرضت لأضرار متفاوتة خلال فترة الحرب، موضحاً أن المخازن الصالحة للاستخدام جرى تأجيرها بأسعار رمزية، ليس بهدف تحقيق عائد مالي، وإنما لخدمة المواطنين والتجار، والمساهمة في تغطية تكاليف الصيانة الخفيفة.
توجهات 2026 واستشراف المستقبل
وبشأن العام 2026، أكد د. الحارث مصطفى الشيخ أن الولاية دخلت مرحلة تعافٍ أمني أوسع، ما يهيئ البيئة لتخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين، عبر فتح نوافذ للبيع المخفض بسعر الإنتاج، وتعزيز التدخل الإيجابي في الأسواق، رغم التحديات التي واجهت المال الدوّار خلال فترة الحرب.
كما شدد على أهمية تطوير الميناء الجاف بصورة أكبر، ليكون مركز جذب رئيسي للواردات، بما يسهم في توطين النشاط التجاري داخل الولاية بدلاً من تحوله إلى موانئ ومراكز أخرى.
أخيراً
إن تجربة ولاية الجزيرة في إدارة الاقتصاد خلال مرحلة الحرب وما بعدها تمثل نموذجاً لإدارة الأزمات الاقتصادية عبر التنسيق المؤسسي والمرونة في السياسات.
وبحسب رؤية الإدارة العامة للتجارة، فإن المرحلة المقبلة تستهدف ترسيخ استقرار الأسواق، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتحويل ولاية الجزيرة إلى محور تجاري فاعل في دعم الاقتصاد الوطني خلال مرحلة ما بعد الحرب.











