السبت 25 أبريل 2026
أُقدّر تماماً العوامل التي دفعت كثيراً من الحسابات المصرية النشطة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى إبداء قلقها من الوجود الشعبي السوداني، وسؤالهم المتكرر: إلى متى؟ وهل هذا وجود مؤقت مرتبط بتداعيات الحرب، أم أن طبيعة الأوضاع في السودان أوجدت موجات «استيطان» وليس مجرد لجوء محدود الزمن يزول بمجرد انتهاء الحرب؟
هناك موجات عودة اختيارية كبيرة للسودانيين، ومن المتوقع أن ترتفع معدلاتها بعد انتهاء امتحانات الشهادة الثانوية السودانية يوم الخميس الماضي (23 أبريل 2026). فعندما أطلقت بعض الجهات برنامج التسجيل للعودة، قفزت الأعداد في دقائق معدودة إلى عشرات الآلاف، ثم دخلت في غضون ساعات إلى مئات الآلاف.
بل إن الحجز في قطارات أو حافلات العودة الطوعية أصبح أمراً صعباً، يتطلب الانتظار أحياناً لعدة أشهر.
وفي تجربة منظومة الصناعات الدفاعية، التي ظلت تُسيّر أسبوعياً ثلاثة قطارات كاملة من محطة رمسيس إلى محطة السد العالي بأسوان، وعندما أوقفت التسجيل الجديد لحين استكمال قوائم المسجلين، استمرت الرحلات لثلاثة أشهر كاملة فقط لاستيعاب الأعداد المسجلة.
ومع تحسن الأوضاع في معظم ولايات السودان عامة، وولاية الخرطوم خاصة، أتوقع أن تكتمل عودة الغالبية العظمى — إن لم يكن الكل — من الذين وصلوا إلى مصر بعد اندلاع الحرب.
ولكن هل ذلك يكفي؟
الإجابة القاطعة: لا.
العلاقات السودانية-المصرية لا تقتصر على موجات اللجوء الناتجة عن الحرب، فهذا جانب عرضي طارئ، وزواله لا أعتقد أنه كافٍ لتبديد القلق الشعبي المصري من وجود السودانيين الذين اختاروا مصر ملاذاً آمناً في وقت الخوف.
الرسالة الحقيقية التي تمس الوجدان المصري — في تقديري — هي التي تؤكد على المصالح المشتركة بين البلدين، لا على المستوى السياسي الرسمي ولا في الخطاب العاطفي عن «العلاقات الأزلية»، بل في إحساس المواطن المصري بشكل مباشر بالعائد الشخصي من هذه العلاقات.
ولتوضيح المعنى: حالياً يستطيع أي مواطن مصري أن يشعر بالمصلحة المباشرة من علاقات بلاده بدول الخليج، لأنها تحتضن ملايين المصريين المغتربين الذين يدعمون الاقتصاد المصري قومياً، ويوفرون مستوى معيشياً أفضل لأنفسهم ولأسرهم شخصياً.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: كيف ومتى يستطيع السودان تعزيز إحساس المواطن المصري بالمصلحة المباشرة والقومية من عائد علاقات البلدين؟
الإجابة على هذا السؤال تفترض، بل تفرض، وجود خطة استراتيجية تُدير هذه العلاقات الثنائية، وتوفر إجابة واضحة على شقّي «كيف؟» و«متى؟»، وهو ما لا يتوفر رسمياً حتى الآن، مما يُضفي على «القلق» الشعبي المصري قدراً من الموضوعية.
سأقدم هنا تصوراً للإجابة عن هذه الأسئلة.
الجوار المصري يُعد بالنسبة للسودان واحداً من أقوى العوامل التي يمكن أن تجعل بناء دولة حديثة ونهضة شاملة أمراً ميسوراً وقابلاً للتحقق على المدى القصير قبل البعيد.
فمع توفر الموارد الطبيعية الهائلة في السودان، تزداد الحاجة إلى الخبرة والقدرات المصرية في مختلف المجالات، خاصة قطاعات الزراعة والصناعة والعمران، على سبيل المثال لا الحصر.
ويستطيع السودان أن يبني خطة نهضة شاملة تجذب الاستثمارات الأجنبية، مع حافز توفر القوى البشرية السودانية والمصرية، بما يجعل السودان قادراً على توفير فرص استثمارية جذابة لرؤوس الأموال المصرية، بالإضافة إلى فرص عمل لملايين المصريين. ويساعدهم في ذلك القرب الجغرافي وسهولة التنقل بين البلدين. وبهذا يتحقق «الإحساس» بالمصالح المشتركة بنفس القدر الذي يتوفر في العلاقات مع دول الخليج.







