مقالات

مطار بورتسودان.. حين يتحول الانتظار إلى معاناة وكرامة المواطن إلى سؤال مفتوح

النورس نيوز

مطار بورتسودان.. حين يتحول الانتظار إلى معاناة وكرامة المواطن إلى سؤال مفتوح

بقلم: سمية سيد (طيران بلدنا) _ النورس نيوز

لم يعد مطار بورتسودان مجرد محطة عبور مؤقتة للمسافرين القادمين إلى السودان، بل تحوّل – وفق ما يرويه العائدون – إلى نقطة اختبار قاسية لكرامة المواطن، وعنوان بارز لاختلالات أعمق تضرب مؤسسات الدولة في الصميم. فبدلاً من أن يكون بوابة عودة آمنة وميسّرة، أصبح مسرحاً لمعاناة يومية يعيشها القادمون من الخارج، خاصة أولئك الذين أنهكتهم الغربة وأرهقتهم ظروف النزوح.

القصة تبدأ منذ لحظة الحجز، حيث سُمح لشركات الطيران ببيع تذاكر إلى الخرطوم عبر بورتسودان، رغم عدم جاهزية المطار لاستيعاب حركة الترانزيت المتزايدة. النتيجة كانت متوقعة: آلاف المسافرين يجدون أنفسهم عالقين لساعات طويلة – قد تصل إلى خمس ساعات أو أكثر – في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الراحة الإنسانية. لا صالات انتظار كافية، ولا مقاعد، ولا خدمات أساسية مثل المياه أو دورات المياه النظيفة، بينما تُحجز المساحات الأفضل لكبار الشخصيات فقط.

 

 

 

المفارقة المؤلمة أن هؤلاء المسافرين دفعوا مبالغ طائلة مقابل رحلاتهم، إذ تتراوح تكلفة التذكرة من القاهرة إلى الخرطوم بين 1.8 إلى 2 مليون جنيه، ومع ذلك لا يجدون الحد الأدنى من الخدمة. بين المنتظرين مرضى بأمراض مزمنة، كبار سن، وأطفال، جميعهم يواجهون ظروفاً قاسية قد تصل في بعض الحالات إلى الطرد من الصالات المحدودة أصلاً، ليجدوا أنفسهم تحت أشعة الشمس في محيط المطار.

هذا الواقع يطرح تساؤلات حقيقية حول دور الجهات المسؤولة، وعلى رأسها سلطة الطيران المدني وإدارة المطار. فالمعايير الدولية واضحة فيما يتعلق بخدمات الترانزيت، كما أن شركات الطيران ملزمة قانوناً وأخلاقياً برعاية المسافرين حتى وصولهم إلى وجهتهم النهائية، بما في ذلك توفير أماكن انتظار لائقة أو حتى إقامة مؤقتة إذا تطلب الأمر.

 

 

 

 

لكن ما يحدث يشير إلى فجوة كبيرة بين النصوص والتطبيق. فبدلاً من التخطيط المسبق لتأهيل البنية التحتية قبل فتح باب الرحلات، تم اتخاذ قرارات تشغيلية دون استعداد كافٍ، ما أدى إلى خلق أزمة إنسانية صامتة داخل أحد أهم مرافق البلاد الحيوية.

الأمر لا يتوقف عند حدود الخدمات، بل يمتد ليعكس صورة أوسع عن بيئة العمل الحكومي. فغياب المحاسبة، واستمرار الإهمال دون تدخل حاسم، يعززان شعور المواطن بأنه خارج دائرة الاهتمام، خاصة في ظل التباين الواضح بين ما يُقدم لكبار المسؤولين وما يواجهه عامة الناس.

 

 

 

وفي سياق متصل، كانت هناك مؤشرات إيجابية قبل أسابيع عندما تفقد أحد كبار المسؤولين المطار وأقر بوجود قصور واضح في الخدمات والبنية التحتية، بل وتعهد بتحسين الأوضاع. غير أن تلك الوعود – حتى الآن – لم تنعكس على أرض الواقع، ما يثير تساؤلات إضافية حول جدية الإصلاح واستمراريته.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معالجة أزمة مطار بورتسودان، بل في إعادة بناء منهج إداري قائم على التخطيط، والمساءلة، واحترام المواطن. فالدول لا تُقاس فقط بحجم استثماراتها أو مواردها، بل بقدرتها على صون كرامة مواطنيها في أبسط التفاصيل، بدءاً من مقعد انتظار في مطار.

 

 

 

في ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري إعادة النظر بشكل عاجل في إدارة المرافق الحيوية، ووضع معايير واضحة تُلزم جميع الأطراف – من الجهات التنظيمية إلى شركات الطيران – بتقديم الحد الأدنى من الخدمات اللائقة. فالمواطن الذي دفع من ماله، وعاد إلى وطنه طوعاً، لا يجب أن تكون أولى تجاربه على أرضه تجربة قاسية تترك أثراً سلبياً قد يمتد طويلاً.

في النهاية، تبقى القضية أكبر من مجرد تأخير رحلة أو سوء خدمة، إنها مسألة كرامة، وثقة، وصورة وطن يسعى للوقوف مجدداً، لكنه بحاجة أولاً إلى إصلاح بواباته.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى