مقالات

حميدتي للبرهان: أبيتها مملحة تأكلها قروض

النورس نيوز

حميدتي للبرهان: أبيتها مملحة تأكلها قروض

بقلم: عبد الله علي إبراهيم

مقالات _ النورس نيوز _ لم تكن عبارة محمد حمدان دقلو الأخيرة عن “الجيش السوداني الجديد” مجرد كلام عابر في خطاب سياسي، بل بدت أقرب إلى خلاصة مسار طويل من الخلاف حول طبيعة المؤسسة العسكرية في السودان. فقد قال الرجل، في خطاب له أمام أنصاره، إن الحديث لم يعد اليوم عن دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني، بل عن بناء جيش جديد يعبر عن كل السودانيين وفقاً لثقلهم السكاني. وهي عبارة قد تمر على السامع مروراً عابراً، لكنها في الحقيقة تحمل في طياتها دلالة عميقة تتعلق بجذور الحرب الدائرة اليوم بين قواته والقوات المسلحة بقيادة عبد الفتاح البرهان.

ذلك أن فكرة الدمج في القوات المسلحة لم تكن يوماً فكرة مقبولة لدى حميدتي. بل يمكن القول إن الرجل بنى مشروعه العسكري والسياسي على الضد من هذه الفكرة تماماً. فمنذ أن صدرت القوانين المنظمة لقوات الدعم السريع قبل سنوات، ظل حريصاً على أن تكون هذه القوات قوة مستقلة بذاتها، لا مجرد تشكيل يمكن استيعابه داخل القوات المسلحة متى شاءت السلطة السياسية أو القيادة العسكرية.

وقد ظهر هذا الموقف بوضوح منذ صدور قانون قوات الدعم السريع عام 2017، حين جرى النص فيه على خضوع هذه القوات للقوات المسلحة في ظروف محددة مثل حالات الطوارئ أو العمليات الحربية، كما نص أيضاً على إمكانية دمجها في الجيش بقرار من رئيس الجمهورية. غير أن هذه الصيغة لم تكن مريحة لحميدتي، إذ ظل يتعامل مع قواته بوصفها قوة قائمة بذاتها، لا مجرد ذراع عسكرية يمكن حلها أو دمجها بقرار إداري.

وقد كشف الباحث القانوني سلمان محمد سلمان في دراسته حول نشأة قوات الدعم السريع وتمددها أن حميدتي لم يبدِ ارتياحاً لمادة الدمج تلك، وظل يناقشها مع الحكومة لفترة قبل أن يتم إقرار القانون. وكان واضحاً منذ ذلك الوقت أن الرجل يسعى إلى تثبيت وضع قواته كقوة عسكرية موازية للجيش، لا قوة تابعة له.

ولم يخف حميدتي هذا الموقف في تصريحاته العلنية. ففي إحدى المقابلات التلفزيونية قبل سنوات، عندما سُئل عما إذا كانت قوات الدعم السريع ستندمج في الجيش بعد انتهاء مهامها، أجاب بوضوح أن هذه القوات ليست ميليشيا حتى يتم دمجها، بل هي قوة نظامية لها قانونها الخاص ومهامها المحددة. ولم يكن ذلك مجرد رد عابر، بل تعبيراً عن رؤية كاملة لطبيعة الدور الذي أراد أن تلعبه قواته داخل الدولة السودانية.

ومن هنا يمكن فهم حديثه الأخير عن “الجيش الجديد”. فالرجل لا يتحدث عن إصلاح محدود داخل المؤسسة العسكرية، بل عن إعادة تشكيلها من الأساس. وهذا الطرح لا يختلف كثيراً عما ورد في بعض الوثائق السياسية التي صدرت عن قوات الدعم السريع، والتي تحدثت عن ضرورة بناء مؤسسة عسكرية قومية مهنية تعكس التنوع الاجتماعي والسكاني للسودان.

ومن اللافت أن هذه الفكرة وجدت صدى أيضاً لدى بعض القوى السياسية التي انتقدت تاريخ القوات المسلحة في الحكم والسياسة، ودعت إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة تضمن خضوعها للسلطة المدنية وتبعدها عن الصراعات الحزبية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل كان الخلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش أحد الأسباب التي قادت إلى الحرب الحالية؟ أم أن الأمر يتعلق بصراع أوسع على السلطة والنفوذ داخل الدولة؟

لقد عاد هذا الخلاف إلى الواجهة بقوة خلال مفاوضات “الاتفاق الإطاري” التي جرت بين القوى المدنية والعسكريين في أواخر عام 2022. فقد نص الاتفاق على تنفيذ إصلاحات عسكرية وأمنية تشمل دمج قوات الدعم السريع في الجيش خلال فترة انتقالية محددة. وكان هذا البند تحديداً من أكثر بنود الاتفاق إثارة للجدل، لأنه يمس مباشرة توازنات القوة داخل المؤسسة العسكرية.

وقد احتفلت بعض القوى السياسية وقتها بتوقيع حميدتي على الاتفاق، معتبرة أن ذلك يمثل خطوة نحو توحيد الجيش السوداني وبناء مؤسسة عسكرية مهنية واحدة. غير أن قراءة متأنية لمواقف الرجل السابقة كانت كفيلة بإثارة الشك حول مدى استعداده الحقيقي للقبول بهذا الدمج.

فمن قاوم فكرة الدمج لسنوات طويلة، واعتبر قواته جيشاً قائماً بذاته، لم يكن من السهل أن يقبل فجأة بالتخلي عن هذا المشروع. وربما كان توقيعه على الاتفاق الإطاري أقرب إلى خطوة تكتيكية في سياق الصراع السياسي بين القوى المختلفة بعد انقلاب أكتوبر 2021.

وهنا يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: هل كان الاتفاق الإطاري نفسه أحد العوامل التي ساهمت في تفجير الصراع؟ فحين يضع الاتفاق مسألة الدمج على الطاولة كاستحقاق سياسي وعسكري قريب، فإنه في الوقت ذاته يهدد مشروعاً ظل حميدتي يعمل على ترسيخه لسنوات.

ولذلك قد لا يكون من المستبعد أن يكون الصراع حول مستقبل المؤسسة العسكرية أحد الخيوط الرئيسية التي قادت إلى الحرب. فالقضية في جوهرها ليست مجرد دمج قوة عسكرية داخل أخرى، بل تتعلق بالسؤال الأكبر حول من يملك القوة في الدولة، ومن يحدد شكل مؤسساتها في المستقبل.

ومن هذا المنظور تبدو عبارة حميدتي التي وجهها إلى البرهان أقرب إلى المثل الشعبي السوداني القائل: “أبيتها مملحة تأكلها قروض”. أي أن من يرفض حلاً معيناً قد يجد نفسه في نهاية المطاف أمام وضع أشد تعقيداً.

فبحسب القراءة التي يطرحها حميدتي، فإن الحرب لم تعد تدور حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش، بل قد تفضي في النهاية إلى إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية كلها في إطار جيش جديد مختلف عن الجيش القائم اليوم.

وهكذا تتحول مسألة الدمج التي كانت يوماً محور الخلاف إلى نقطة انطلاق لنقاش أوسع حول مستقبل الدولة السودانية نفسها. فالحرب التي اندلعت بين قوتين عسكريتين لم تعد مجرد مواجهة على الأرض، بل صارت أيضاً صراعاً على تعريف الدولة ومؤسساتها في مرحلة ما بعد هذه الحرب.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى