لم يكن أستاذنا الراحل نور الدين مدني أبو الحسن مجرد صحفي مرَّ عابراً في تاريخ الصحافة السودانية، بل كان أقرب إلى باحثٍ اجتماعي حمل إلى المهنة خلفية معرفية وثقافية عميقة.

فقد بدأ رحلته المهنية في جريدة الصحافة ضمن كوكبة لامعة دخلت المجال بدافع الشغف والهواية، وكان أحد ما عُرفوا بـ الكواكب الأربعة عشر الذين انتقاهم الدكتور جعفر محمد علي بخيت للعمل في الصحيفة، وهي المجموعة التي أسهمت في إحداث نقلة ملحوظة في مسارات الصحافة السودانية.
كان نور الدين مدني وجيله من الصحفيين قد تلقوا دراسات جامعية صقلت مواهبهم بالعلم والمعرفة، الأمر الذي أتاح لهم معايشة الجيل المؤسس للصحافة السودانية الذي وضع قواعد العمل المهني في ظروف بالغة التعقيد. فقد أبحرت الصحافة آنذاك وسط تحولات سياسية كبرى شهدها السودان مع قيام نظام مايو عام 1969 وقرار تأميم الصحافة السودانية، وهو ما فرض تحدياً مهنياً كبيراً استدعى إيجاد حدٍّ فاصل يعرّف طبيعة العلاقة بين الصحافة والسلطة، خاصة وأن السلطة في تلك الفترة لم تكن مدنية، بل نظاماً عسكرياً اتسم في بداياته بالشدة.
جاء نور الدين إلى المهنة بعد أن تخرّج في كلية الآداب – قسم الدراسات الاجتماعية بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، حيث بدأ حياته العملية باحثاً اجتماعياً في مصلحة السجون، قبل أن يتفرغ لاحقاً للعمل الصحفي.
ومنذ ذلك الحين ظل شديد التعلّق بهذه المهنة التي كان ينظر إليها بوصفها رسالة قبل أن تكون وظيفة، فحافظ في كل الصحف التي عمل بها على ذات الروح المهنية والالتزام الأخلاقي الصارم، مجوِّداً عمله الصحفي، وحريصاً على أن تبقى كلمته متوازنة ومنضبطة داخل حدود الموضوعية.
وفي ظل تلك الظروف شهدت الساحة الصحفية هجرات جماعية للصحفيين، إذ غادر العشرات السودان للعمل في دول الخليج وعدد من البلدان العربية بحثاً عن فضاءات أوسع لممارسة المهنة. ورغم أن سبل العمل قد تفرقت بعدد من أبناء ذلك الجيل، فإن نور الدين مدني ظل حاضراً ومتصلاً بالمهنة وبقضايا السودان، فلم ينقطع عن الكتابة أو التفاعل مع الشأن العام، وظل يعبّر عن مواقفه المهنية والوطنية بوضوح، داعياً باستمرار إلى التوافق على مشروع وطني جامع يخرج البلاد من دوامة التقلبات السياسية والحروب والقضايا المصيرية. كما عُرف بنضاله المستمر من أجل حرية التعبير وحرية الصحافة والنشر، وهو نضال دفع ثمنه من صحته وعمره، بعد أن تعرّض للاعتقال والسجن مرات عديدة.
وقد اشتهر نور الدين مدني بمقالاته الهادفة التي كان يكتبها عبر زاويته المعروفة «كلام الناس»، وهي زاوية تحولت إلى مساحة يومية للتأمل في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي. ففيها كانت كتاباته أشبه برحلة في تفاصيل المجتمع السوداني، تزخر بالحكمة والتجربة الإنسانية، وتعكس خلاصة ما عاشه من تجارب شخصية ومهنية، إلى جانب ما كان يرد إليه من رسائل القراء الذين يبعثون بمشكلاتهم ومشاعرهم لتجد طريقها إلى النشر عبر الصحف السودانية.
وتدرّج نور الدين في السلم المهني بجريدة الصحافة في كل مراحلها الأولى والوسطى والأخيرة، مؤسساً ومسهماً وفاعلاً. فعمل سكرتيراً للتحرير ثم مديراً للتحرير عقب عودة الصحيفة في نهاية تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يصل إلى منصب رئيس التحرير. ومع دخول الصحيفة في مشروع الشراكة الذكية انتقل إلى العمل مديراً للتحرير، ومن ثم مستشاراً لتحرير صحيفة السوداني. كما واصل الكتابة في عدد من الصحف السودانية، إلى جانب توليه رئاسة مكتب صحيفة الخليج الإماراتية في الخرطوم، ومراسلة العديد من الصحف والدوريات العربية.
أما علاقتي بنور الدين مدني، فهي تشبه إلى حد كبير علاقة كثيرين من أبناء جيلنا به. فقد بدأت تجربتي المهنية الاحترافية في جريدة الصحافة عام 1999، وهناك وجدناه الأب والخال ـ كما يحلو لنا تسميته ـ واليد الحانية التي احتضنت مجموعة من الشباب، من بينهم محمود الدنعو، عبد الحميد عوض، أنور عوض، لبنى أحمد حسين، أسمهان فاروق، سناء عباس، إلى جانب كل المتدربين الذين عبروا الصحيفة في مرحلتها الثانية بعد عودتها بقيادة الأستاذ كمال حسن بخيت.
ولولا دعم نور الدين مدني ومساندته لما وجدت هذه الأسماء طريقها وسط قامات صحفية كبيرة كانت تتنافس عبر ملفات تحريرية شهيرة، مثل عدد السبت والثلاثاء المتميز والملحق الثقافي والفني، وهي الملفات التي قادتها أسماء بارزة من بينها كمال الجزولي، عيسى الحلو، فيصل الباقر، ربيع حامد، نجيب نور الدين، أحمد العمرابي، حسن عز الدين، عبد القادر حافظ، عبد الله رزق، د. مصطفى صادق، فيصل محمد حسين، والطاهر بكري.
إلى جانب المكتب الفني الذي كان يقوده زين العابدين محمد محمود، وثلة من المجودين لفنون التصميم الصحفي أمثال معتصم عيدروس، خالد عوض، شوقي مهدي، سعد عبد الواحد، شادية، سميرة، ندى حسن تيتاوي، مهدي عليان، عبد العاطي الإمام، أنس الصلحي، محمد المعتصم الصاوي، وأبادر عيسى، والمدقق أحمد المصطفى الحاج، والعم بكري، وعثمان الطيب.
فيما كانت صفحات الصحيفة تستضيف كتابات عدد من كبار الكتاب، مثل عبد الرحمن مختار مؤسس الصحيفة، محمد عبد الله الريح، محمد المكي إبراهيم، د. كامل حسن، حاتم حسن بخيت، يحيى فضل الله، وصلاح أحمد إدريس.
وقد أوكل نور الدين مدني إلى جيلنا مهاماً صعبة داخل الصحيفة، لكننا حاولنا أن نكون عند حسن ظنه. ومع مرور الوقت دخلت الصحيفة مرحلة انتقالية تولى خلالها رئاسة التحرير خلفاً للراحل كمال حسن بخيت، حيث منحنا مساحة واسعة للعمل داخل الأقسام المختلفة، من بينها القسم الثقافي والفني، وقسم التدريب، وصفحات المنوعات، وسكرتارية التحرير.
ومن حسن الحظ أن نواصل العمل معه أيضاً في مرحلة الشراكة الذكية التي قادها عادل الباز، وهي الفترة التي حققت فيها الصحيفة انتشاراً وتوزيعاً كبيرين بفضل الملفات الصحفية المتنوعة التي تنافس الصحفيون في إعدادها وتقديمها بأقصى ما لديهم من جهد مهني.
ولم تقف المسيرة عند ذلك الحد، إذ شاءت الأقدار أن ننتقل معه لاحقاً إلى صحيفة السوداني بقيادة الأستاذ محجوب عروة. وفي كل تلك المحطات ظل نور الدين بمثابة الخيط الناظم الذي يجمع الجهود الصحفية، مستفيداً من شبكة علاقاته الواسعة مع السياسيين وصنّاع القرار، ومن بينهم السيد الصادق المهدي، محمد إبراهيم نقد، محمد عثمان الميرغني، أحمد الميرغني، بدر الدين مدثر، وعلي الريح السنهوري وغيرهم.
ومع ذلك لم تشفع له هذه العلاقات في مواجهة الرقابة القبلية والبعدية، ولا في تجنب مصادرة الصحف أو الاستدعاءات المتكررة أمام نيابات الصحافة وجهاز الأمن والمخابرات، بل دخل السجن أكثر من مرة ليدفع بذلك ضريبة الكلمة الحرة، قبل أن يقرر في النهاية الهجرة إلى أستراليا ومواصلة كتاباته في الشأن السوداني من هناك حتى أسلم الروح إلى بارئها.
ومع كل ما مرّ به من محن وضغوط، لم يتخلَّ نور الدين مدني عن مبادئه ولا عن بشاشته المعهودة وابتسامته التي لم تفارق محيّاه. وكنا كثيراً ما نداعبه بأن سر شبابه الدائم هو تلك الروح المرحة وقدرته على التصالح مع الذات ومع الآخرين.
رحم الله نور الدين مدني، فقدت برحيله الصحافة السودانية ركناً ركيناً وعموداً متيناً أسهم على مدى عقود في بناء نهضتها، منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
والعزاء موصول لأسرته وتلامذته وكل من عرف فضله وأثره في المهنة.







