
رعب السجون السرية في السودان: دقريس وشالا نموذجاً لانتهاكات الحرب
بقلم:
د. مزمل أبو القاسم
في خضم الحرب السودانية التي اندلعت منذ أبريل 2023، برز ملف السجون السرية بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للقلق والجدل، خاصة بعد التقرير الذي نشرته وكالة رويترز في الأشهر الأولى من النزاع، والذي أشار إلى وجود آلاف المحتجزين في معتقلات غير رسمية داخل العاصمة الخرطوم، في ظروف إنسانية وصفت بالقاسية والصادمة. ذلك التقرير فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحة حول مصير المدنيين الذين اختفوا خلال المواجهات، كما أعاد إلى الواجهة قضية الاحتجاز خارج نطاق القانون في مناطق النزاع.
وبحسب شهادات متقاطعة تداولتها وسائل إعلام محلية وناشطون حقوقيون، توسعت دائرة الاعتقالات خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من الخرطوم وولايات أخرى، حيث تحدث شهود عن استخدام مبانٍ مدنية ومرافق عامة كمواقع احتجاز مؤقتة. ومن بين المواقع التي تكررت الإشارة إليها مستشفى ابن سينا، إضافة إلى سجن سوبا، الذي قيل إنه استُخدم لاستيعاب أعداد كبيرة من المحتجزين خلال ذروة المعارك.
ومع امتداد رقعة القتال إلى ولايتي الجزيرة وسنار، تضاعفت الروايات عن تحويل منازل ومقار حكومية إلى أماكن احتجاز، في ظل غياب رقابة قضائية واضحة أو إشراف مستقل. بعض الناجين الذين أُفرج عنهم لاحقاً تحدثوا عن أوضاع معيشية صعبة، تشمل نقص الغذاء والرعاية الطبية، فضلاً عن ممارسات تعذيب وسوء معاملة، وهي ادعاءات لم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل نظراً لتعقيدات الوضع الأمني.
عقب استعادة الجيش السوداني السيطرة على أجزاء من الخرطوم ومناطق أخرى، بدأت تتكشف صور ومقاطع توثق أوضاع بعض المحتجزين الذين عُثر عليهم في حالات صحية حرجة، ما أثار صدمة واسعة في الشارع السوداني، ودفع جهات حقوقية للمطالبة بفتح تحقيقات شفافة وشاملة. وتحدثت تقارير عن العثور على محتجزين في مناطق مثل جبل أولياء وسوبا وقد بدت عليهم آثار الإعياء الشديد، بينما أُفيد بوفاة آخرين نتيجة سوء التغذية أو المرض.
في الآونة الأخيرة، تصاعد الحديث عن أوضاع سجن يُعرف باسم “دقريس” في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، حيث تشير روايات متداولة إلى اكتظاظ حاد يفوق الطاقة الاستيعابية المعلنة للمرفق. وتُقارن بعض الشهادات بين ظروف الاحتجاز فيه وبين سجون سيئة السمعة تاريخياً مثل صيدنايا في سوريا أو جزيرة ريكرز في الولايات المتحدة، في إشارة إلى ما يُقال عن قسوة الظروف داخله. هذه المقارنات تبقى في إطار التوصيف الإعلامي والحقوقي، لكنها تعكس حجم القلق المتنامي بشأن أوضاع المحتجزين.
مصادر محلية تحدثت عن تأخر إجراءات التحقيق مع المحتجزين، وعن صعوبات تتعلق بالحصول على الغذاء والعلاج، فيما أشارت روايات أخرى إلى وجود آليات غير رسمية للإفراج مقابل مبالغ مالية، وهي مزاعم تحتاج إلى تحقيقات قضائية مستقلة لإثباتها أو نفيها. كما تطرقت تقارير إلى نقل أسرى من مناطق أخرى إلى نيالا، في ظروف وصفت بالصعبة أثناء الترحيل.
ولا يقف الجدل عند “دقريس” وحده، إذ يتكرر ذكر سجن “شالا” في مدينة الفاشر كأحد المرافق التي تُثار حولها مزاعم مشابهة. في ظل هذه الروايات، تتعالى الأصوات المطالِبة بدور أكثر فاعلية من قبل المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية، سواء عبر إرسال بعثات تقصي حقائق أو الضغط من أجل السماح بزيارات تفتيش مستقلة، بما يضمن احترام المعايير الإنسانية المنصوص عليها في القانون الدولي.
قضية السجون في زمن الحرب تظل من أعقد الملفات وأكثرها حساسية، لأنها تتقاطع مع حقوق الإنسان الأساسية، ومع التزامات الأطراف المتحاربة تجاه المدنيين وأسرى النزاع. وبينما تتباين الروايات والاتهامات، يبقى الثابت أن آلاف الأسر السودانية تنتظر إجابات واضحة حول مصير أبنائها، وتطالب بضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات أياً كان مرتكبها.
إن معالجة هذا الملف لا تقتصر على تبادل الاتهامات، بل تتطلب شفافية كاملة، وتحقيقات مستقلة، وإشرافاً قانونياً يضمن حقوق المحتجزين، ويعيد الثقة في منظومة العدالة. فالحروب مهما اشتدت لا تُسقط القيم الإنسانية، ولا تعفي أي طرف من المسؤولية أمام القانون والتاريخ.











