مقالات

الرجل الذي وقف في وجه الريح

النورس نيوز

الرجل الذي وقف في وجه الريح

لقاء القاهرة.. ماذا قال الرئيس “البرهان” لنظيره المصري؟

رشان أوشي – النورس نيوز

السودان لا يُغلق أبواب السلام، لكنه يرفض أن يُصاغ مصيره بغير إرادته، ويرفض أن تُفرض عليه حلولٌ تأتي من خارج حدوده محمّلة بأجندة الآخرين. فمن أراد الوساطة فليأتِ بيدٍ نظيفة لا تحمل رماد الكير، وليعلم أن الكرامة السودانية ليست بنداً يُساوَم عليه في أي مفاوضات.

في الوقت الذي تتكاثر فيه المبادرات الدولية والإقليمية لإغلاق ملف الحرب في السودان وفق حسابات لا تمتّ لواقع الميدان بصلة، وضع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان النقاط على الحروف، محدداً معالم الطريق ومؤكداً أن سيادة السودان خط أحمر لا يقبل المساومة.

وخلال زيارته الأخيرة إلى القاهرة ولقائه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حمل البرهان إلى الطاولة رؤية واضحة وموقفاً صريحاً: أي تفاهمات سياسية أو ترتيبات مستقبلية يجب أن تنطلق من اتفاق جدة، بوصفه المرجعية الوحيدة التي اعترفت بها الأطراف كافة، والتي أرست أرضية عملية لوقف إطلاق النار وتدابير بناء الثقة.

لكن الرئيس السوداني لم يكتفِ بالتأكيد على المرجعية، بل قدّم ثلاثة شروط أساسية تمثل جوهر الموقف السوداني من أي عملية تسوية قادمة:

أولاً: تجميع المقاتلين في معسكراتٍ خاضعةٍ للجيش السوداني، لأن السلام الحقيقي لا يقوم في ظل سلاحٍ منفلت وميليشياتٍ تتقاسم الولاءات. وأكد البرهان أن وحدة القرار العسكري هي المدخل الوحيد لعودة الدولة واحتكارها للقوة الشرعية.

ثانياً: إبعاد آل دقلو عن المشهدين العسكري والسياسي، لأن الأزمة في جوهرها – كما يرى البرهان – ليست إلا انعكاساً لطموحات شخصية حولت مليشيا الدعم السريع إلى كيانٍ فوق الدولة، ينهش جسدها ويعبث بمصيرها. فلا يمكن بناء سلامٍ على جثث الأبرياء، ولا مصالحة مع من تلطخت أيديهم بدماء الشعب.

ثالثاً: استبعاد الإمارات من أي وساطة دولية، ما لم تتوقف تماماً عن دعم المليشيا بالمال والسلاح. فـ”من موّل الحرب لا يمكن أن يكون وسيطاً في السلام”، كما قال البرهان بوضوح، مشدداً على أن السودان لن يقبل وساطة من طرفٍ يملك مصلحة في استمرار النزاع.

وبحسب مصادر دبلوماسية مطّلعة، فإن أبوظبي رفضت تلك الشروط، وأصرّت على البقاء ضمن اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية وبريطانيا، ساعيةً للحفاظ على نفوذها داخل مسار الأزمة السودانية رغم الاتهامات المتكررة بدعمها للمليشيا المتمردة.

هذا الرفض، في نظر الخرطوم، ليس مجرد خلافٍ في وجهات النظر، بل دليل على أن اللجنة الرباعية تجاوزت دور “الوسيط” إلى دور “الموجّه”، وهو ما لن يقبله السودان مرة أخرى بعد التجربة المريرة مع الاتفاق الإطاري الذي فجّر الحرب.

إن الرسائل التي حملها لقاء القاهرة لم تكن دبلوماسية فحسب، بل كانت بمثابة بيان موقف وطني يرسم حدود السيادة السودانية ويعيد تعريف العلاقة مع الوسطاء الإقليميين والدوليين.
فالسودان – كما قال البرهان مراراً – لا يرفض السلام، لكنه يرفض “الاستسلام المقنّع” باسم السلام، ويرفض أن تكون أرضه حقل تجارب للآخرين.

وفي ختام اللقاء، بدا أن البرهان لم يكن يتحدث بلسان السلطة فقط، بل بلسان وطنٍ أنهكته الحروب لكنه ما زال واقفاً في وجه الريح.
فالإرادة السودانية وحدها قادرة على صياغة سلامٍ حقيقي، لا يقوم على التسويات الهشة، بل على العدالة والكرامة الوطنية.

محبتي واحترامي.
رشان أوشي

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى