أسامه عبد الماجد يكتب:
آثار المستشار
0 يعتبر إعفاء مستشار رئيس الوزراء للشؤون الدبلوماسية السفير بدر الدين الجعيفري حدثاً يستحق التوقف عنده.. لأنه يفتح الباب واسعاً لأهمية مراجعة المرحلة السابقة من الأداء داخل وزارة الخارجية وقياس نتائجها.. وكشف حجم الأثر السلبي الذي لحق بالخارجية نتيجة جملة من القرارات المتهورة وغير المدروسة التي ارتبطت به وبرئيس الوزراء كامل إدريس.. تلك القرارات لم تضر فقط بصورة الوزارة بل أسهمت في إضعاف أدائها وإرباك مسارها.. الأمر الذي يجعل من قرار الاعفاء فرصة حقيقية لمراجعة جادة وصريحة لما جرى ومحاسبة الذي قاد إلى هذا التدهور.
0 كان قرار الإعفاء خطوة مطلوبة ودعونا لذلك مرارا.. ونتمني له التوفيق في مقبل حياته العملية.. لكن الأهم اليوم هو معالجة ما خلفته تلك المرحلة من أخطاء كارثية خاصة في ثلاثة ملفات حساسة كادت أن تلحق اثنين منها ضرراً بالغاً بعلاقات السودان الخارجية وسمعته الدبلوماسية.. الأول يتعلق بترشيح السودان لمنصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية.. فادار كامل الترشيح للمنصب الرفيع وفق المجاملات والمكافآت السياسية.
0 فالمستشار المقال وبمباركة كامل رشح نفسه.. رغم أن الترشح للمناصب الرفيعة في المنظمات الإقليمية يخضع لمعايير صارمة.. تتعلق بتراكم الخبرة الدبلوماسية النوعية، مثل رئاسة البعثات، وتولي مناصب وزارية أو دستورية عليا.. وإدارة ملفات إقليمية مهمة.. كما ترتبط هذه المناصب بمعايير دقيقة تتعلق بالكفاءة والثقل السياسي. ولا واحد من المعايير تتوفر في المرشح المذكور.
0 واستعاد السودان هذا الموقع العربي الرفيع بعد جهود دبلوماسية كبيرة ومشاورات إقليمية واسعة في عام 2016.. بعد أن سبق أن شغله في سبعينيات القرن الماضي.. ومرة ثالثه لاشهر معدودة.. لذلك من الحكمة أن تعيد الحكومة النظر في هذا الترشيح وتسحبه بما يرفع الحرج عن قيادة الجامعة العربية التي فوجئت – بحسب ما يتردد في الأوساط الدبلوماسية – بتقديم مرشح حديث نسبياً لمنصب بهذا الوزن. فالسودان بحاجة إلى الحفاظ على هذا الموقع المهم داخل المنظومة العربية، خاصة بعد أن أدت أخطاء سياسية سابقة إلى فقدان موقع مفوض بالاتحاد الإفريقي.
0 الملف الثاني يتعلق بترشيح السودان لمنصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي.. وهو اكثر أهمية عن سابقه.. فقد تسبب هذا الترشيح أيضاً في قدر من الإحراج الدبلوماسي للسودان.. حين تم تقديم مرشح مع كامل الاحترام لشخصه يملك سيرة ذاتية عادية.. لا تمنح السودان أفضلية حقيقية للفوز بهذا المنصب الرفيع.. لكن الأمر الذي يستدعي التحقيق أن هناك كفاءة سودانية بارزة داخل المنظمة نفسها.. وهو السفير طارق بخيت.
0 الذي يعتبر من أبناء المنظمة ومن أقدم مسؤوليها.. وظل يعمل بها منذ نحو عقدين واكتسب خبرة عميقة في آلياتها وعلاقاتها الدولية.. وقدم كثيراً للسودان خلال مسيرته وتدرج السفير طارق من مدير إلى مدير عام للشؤون السياسية، ثم انتخب مساعداً للأمين العام عام 2018.. وأعيد انتخابه في 2023 ليستمر في منصبه حتى عام 2028.. وهو المؤهل للترشيح ويحظى بدعم عدد من الدول العربية والخليجية، وعلى رأسها المملكة السعودية التي تستضيف مقر المنظمة.. فضلاً عن التقدير الكبير الذي يتمتع به داخلها.
0 من الضروري تدخل رئيس مجلس السيادة لمراجعة هذا الترشيح وسحبه وتقديم طارق.. خاصة وأن الانتخابات المقررة الشهر المقبل في العراق قد يتم تأجيلها بسبب الظروف الراهنة في المنطقة.. كما يستحق الأمر فتح تحقيق لمعرفة اباسباب الواهية التي قدمها مكتب كامل لتجاوز طارق حتى لا تتكرر مثل هذه الأخطاء مستقبلاً.
0 الملف الثالث يتعلق بحالة التوتر غير المعلنة والصراع الصامت داخل وزارة الخارجية بين السفراء الجدد ( دفعة الجعيفري) الذين جرى نقل عدداً منهم خلال فترة الأخير.. وبعض السفراء القدامى ورغم أن هذا التوتر لا يزال في إطاره الصامت.. إلا أن آثاره بدأت تظهر تدريجياً في بيئة العمل كما انعكست على آليات إدارة التنقلات والترقيات داخل الادارات بالوزارة.. السلك الدبلوماسي يقوم بطبيعته على تقاليد مهنية راسخة تقوم على التدرج الوظيفي وتراكم الخبرة.. وتحقيق التوازن بين الأجيال المختلفة داخل الوزارة.
0 هناك اختلالات في الخارجية ادت إلى إضعاف الأداء العام وإلى اهتزاز صورة الدبلوماسية السودانية في الخارج.. المطلوب بعد تغيير الأشخاص مراجعة السياسات التي أدت إلى هذه الاختلالات.. ومراجعة شاملة بحيث تستند إلى معايير واضحة تقوم على الكفاءة والخبرة والإنجاز.. بعيداً عن الحسابات الشخصية أو تأثير المجموعات الضيقة.
0 السودان في مرحلة حرجة من تاريخه ولا يحتمل المزيد من الأخطاء في إدارة ملفاته الخارجية.. يكفي ان تعاقب على وزارة الخارجية منذ عام 2019 ثمانية وزراء بقدوم محي الدين سالم حتى أصبحت الوزارة أشبه بميدان للتجارب السياسية.. وخلال فترة حكومة كامل إدريس عانت الوزارة من قدر كبير من الإهمال.. ظلت بلا وزير لأكثر من أربعة أشهر بعد سعي كامل وبايعاز من الحعيفري لادارتها بنفسه بجانب رئاسته للحكومة.. وتصدينا له وكتبت عدة مرات منها مقالا بعنوان “دناءة دبلوماسية”.
0 وقد عين السفير المخضرم عمر صديق وزير دولة بالخارجية إلا أنه لم يستمر طويلاً بسبب التدخلات المتكررة من مكتب رئيس الوزراء.. فاختار الحفاظ على تاريخه المهني الممتد لأكثر من أربعة عقود، وتقدم باستقالته بعد شهرين وأسبوعين فقط.. ان الطبيعي ان تكون الدبلوماسية في أعلى درجات النشاط والحضور للدفاع عن مصالح البلاد في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها.
0 الخارجية هي خط الدفاع الأول عن مصالح السودان وسمعته في العالم.. وهي أشبه بفرقة عسكرية تقاتل في جبهة الخارج تحتاج إلى الدعم والاحتراف والانضباط.. ولهذا فإن إنقاذ الدبلوماسية السودانية يبدأ بمراجعة عاجلة لملفات الترشيحات في المنظمات الإقليمية والحفاظ على مواقع السودان في المؤسسات الدولية.. ومعالجة التوتر داخل الوزارة والتنقلات ومدراء الادارات على أسس مهنية واضحة.
0 ومهما يكن من امر.. فالمعركة من أجل السودان ليست معركة سلاح وطلقة.. وانما كذلك معركة كلمة وموقف دبلوماسي حكيم.
الأحد 15 مارس 2026
osaamaaa440@gmail.com









