مقالات

الاختراق الخطير.. نعم بيننا خونة

النورس نيوز

الاختراق الخطير.. نعم بيننا خونة

بقلم: بكري المدني

النورس نيوز _ ما جرى ليس صدفة، ولا يمكن وضعه في خانة “التطور الطبيعي” للحرب. نحن أمام مشهد مختلف تماماً، عنوانه الأبرز: الاختراق. اختراق عميق، منظم، ومؤلم، يضرب في صميم المجتمع قبل أن يضرب في الميدان.

أتذكر جيداً تلك الليلة في ضواحي شندي، عندما كنا نغطي زيارة وفد تنسيقية الرزيقات للزعيم الأهلي مصلح نصار. لم يكن في المكان ما يبرر أن يتحول إلى هدف عسكري، لا موقع استراتيجي، ولا ثكنة، ولا حتى تجمع قتالي. ومع ذلك، جاءت الطائرة المسيّرة، في صمت الليل، موجهة بدقة إلى غرفة نوم الرجل، لا إلى ساحة الاحتفال ولا إلى تجمع الضيوف. هنا فقط، تبدأ القصة الحقيقية.

هذا النوع من الضربات لا يُنفذ من السماء وحدها. لا يمكن لطائرة أن تصل إلى هدف بهذه الدقة دون عين على الأرض، دون إحداثيات محددة، دون من يرشد ويحدد ويؤكد. ببساطة، هناك من بيننا من يقوم بهذا الدور.

 

 

ولم تكن تلك الحادثة معزولة. ما حدث لاحقاً في قرية الكاهلي، المرتبطة بقوات درع السودان، يحمل ذات البصمة. منطقة خارج نطاق الأهداف العسكرية، ومع ذلك تُستهدف بطائرة مسيّرة بدقة عالية. الرسالة واحدة، والطريقة واحدة، والفاعل – في تقديري – يعتمد على ذات الشبكة: ربط الأرض بالجو عبر معلومات تأتي من الداخل.

الأمر لم يعد مجرد حرب بين قوتين، بل أصبح صراعاً مفتوحاً داخل المجتمع نفسه. المال، القبيلة، المصالح الضيقة، كلها تحولت إلى أدوات لاختراق الصف الداخلي. الأخطر من ذلك أن بعض هذه الاختراقات وصلت إلى مؤسسات يُفترض أنها خط الدفاع الأول.

 

 

 

حين نتحدث عن سقوط مدن أو اختراق مواقع، لا ينبغي أن نخدع أنفسنا بأن القوة العسكرية وحدها هي السبب. هناك قصص أخرى في الظل، عن تجنيد، وعن تسهيل، وعن معلومات تُمرر في الوقت المناسب لتصنع الفارق. هذه هي الحقيقة التي يهرب منها كثيرون.

نعم، بيننا خونة. وهذه ليست عبارة للانفعال، بل توصيف لواقع يجب مواجهته بلا تردد. لكن السؤال الأهم: كيف نواجه؟

 

 

 

المعالجة لا تكون بالصراخ ولا بالشعارات، بل ببناء منظومة وعي وأمن مجتمعي حقيقية، تعيد تعريف الانتماء وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. كما أن المؤسسات مطالبة بمراجعة عميقة لآلياتها، لأن الاختراق – حين يصل إلى الداخل – يصبح أكثر خطورة من أي عدو في الخارج.

هذه حرب من نوع آخر، لا تُحسم بالبندقية وحدها، بل بالمعلومة، وبالولاء، وبالقدرة على حماية الجبهة الداخلية. وإذا لم ندرك ذلك الآن، فسنظل ندفع الثمن، مرة بعد مرة، دون أن نفهم من أين تأتي الضربة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى