أخبار

اغتيال ضابط أمن

النورس نيوز

اغتيال ضابط أمن

بقلم: يوسف عبد المنان

النورس نيوز _ أصدرت محكمة مدينة الأبيض حكمها أمس في واحدة من القضايا التي ظلت حاضرة في وجدان الناس لأكثر من عام كامل، قضية مقتل ضابط الأمن محمد القرشي أسامة، تلك الحادثة التي لم تكن مجرد جريمة قتل عابرة، بل واقعة ارتبطت بظلال الحرب، وتشابك الولاءات، وتعقيدات المشهد الأمني في لحظة سودانية شديدة الاضطراب.

محمد القرشي، ذلك الشاب الذي جمع بين انتماءين جغرافيين لمدينتي الأبيض وكادقلي، خرج من بيئة تربوية معروفة، فوالده أحد رجال التعليم المتقاعدين، ووالدته المعلمة عائشة قرشي، ونشأ على قيم الانضباط والمسؤولية قبل أن يلتحق بجهاز الأمن والمخابرات العامة، في مسار مهني بدا في بدايته مستقراً، قبل أن تعصف به رياح التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد.

تنقّل الرجل في مهام أمنية متعددة، وجرى انتدابه في فترة من فترات خدمته للعمل في محيط ترتيبات أمنية ارتبطت بقوات الدعم السريع، في سياق إداري وأمني معقد، عكس طبيعة التشابك الذي كان قائماً داخل المنظومة العسكرية والأمنية قبل الحرب. ثم أُلحق لاحقاً بوحدات عمليات ميدانية ضمن ما كان يُعرف بتشكيلات “عاصفة الحزم”، في سياق إعادة توزيع المهام داخل المشهد الأمني آنذاك.

ومع اندلاع الحرب، كان محمد القرشي في زيارة اجتماعية إلى مسقط رأسه في الدبيبات، ولم يكن يتوقع أن تمتد أيام الحرب إلى ما آلت إليه من سنوات من الانقسام والاقتتال. وجد نفسه محاصراً بواقع جديد، وانقطعت أمامه سبل العودة إلى الخرطوم، التي كانت قد دخلت في قلب العاصفة. ورغم محاولات لتأمين خروجه، إلا أنه – بحسب ما يُروى من مقربين – آثر البقاء مع أسرته، ظناً منه أن الحرب لن تطول، وأن الأيام ستعيد الأمور إلى نصابها.

وفي تلك الفترة المضطربة، ظهرت مواقف متباينة حول وجهته، إذ تحدثت روايات عن تواصله مع قياداته السابقة، وإعلانه – في لحظة ارتباك واضحة – أنه سيعود إلى موقعه الأصلي داخل جهاز الأمن، في مشهد يعكس حجم التشظي الذي فرضته الحرب على الأفراد والمؤسسات معاً.

لكن الدبيبات، التي لم تكن بعيدة عن نطاق التوترات الأمنية، لم تكن مكاناً آمناً. ومع تغيّر خارطة السيطرة، وجد نفسه مضطراً لمغادرتها نحو مدينة الأبيض، حيث سلّم نفسه لقيادة جهاز الأمن هناك، ليبدأ مرحلة جديدة من إعادة التموضع داخل مدينة كانت بدورها تعيش على وقع القلق والعمليات العسكرية.

وفي الأبيض، انخرط محمد القرشي في مهام أمنية ميدانية، خاصة في مناطق غرب المدينة ومحطة 13، حيث كانت تلك المناطق مسرحاً لاشتباكات وتحركات عسكرية متبادلة، في ظل واقع أمني مفتوح على كل الاحتمالات.

 

 

 

لكن النهاية جاءت سريعة ومباغتة. أمام منزله، وفي واقعة ما تزال تفاصيلها محل تداول بين الأجهزة العدلية والرأي العام، تم استدراجه عبر مشاجرة افتعلها مجموعة من الأشخاص، قبل أن يُستهدف بإطلاق نار مباشر أصابه إصابة قاتلة أردته قتيلاً في الحال. جريمة صادمة هزت المدينة، وأعادت إلى الواجهة سؤال الأمن في ظل الحرب، وحدود الفوضى حين تتراجع سلطة الدولة.

السلطات تمكنت لاحقاً من إلقاء القبض على المتهمين، وبدأت إجراءات التقاضي في ملف بالغ الحساسية، جرى تداوله وسط ظروف أمنية معقدة، كانت المدينة خلالها عرضة لهزات متكررة، بين قصف وتحركات عسكرية، وضغوط يومية على مؤسسات العدالة.

 

 

 

 

ورغم ذلك، مضت المحكمة في إجراءاتها، واستمرت الجلسات تحت رقابة قانونية مشددة، حتى صدر الحكم النهائي أمس بإدانة المتهم الرئيسي، والحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت، في قرار أعاد بعض الطمأنينة إلى أسرة الضحية، التي عاشت عاماً كاملاً بين الألم والترقب.

أسرة محمد القرشي، من والدين وإخوة وزوجة وأبناء، وجدت في الحكم خاتمة قانونية لمأساة شخصية قاسية، فقد فيها شاب في ريعان العمر، كان يمكن أن يكون جزءاً من مستقبل مختلف، لولا أن الحرب أعادت رسم المصائر بطرق لا ترحم.

 

 

 

قضية محمد القرشي، في جوهرها، ليست مجرد ملف جنائي انتهى بحكم قضائي، بل هي مرآة لمرحلة كاملة من الانفلات والتداخل بين الأمن والسياسة والسلاح، مرحلة دفعت فيها الدولة وأفرادها أثماناً باهظة، وما تزال آثارها ممتدة في الجغرافيا والذاكرة معاً.

واليوم، بينما تُغلق المحكمة هذا الملف بحكم الإعدام، يبقى السؤال الأعمق مفتوحاً: كم من محمد قرشي آخر فقدته البلاد في صمت، وسط ضجيج الحرب، وتعقيدات السلطة، وتداخل البنادق مع مؤسسات يفترض أن تحمي لا أن تُستنزف؟

هكذا تُطوى صفحة، لكن الذاكرة لا تُغلق بسهولة في وطن ما زال يبحث عن استقراره وسط الرماد.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى