أسامه عبد الماجد
زيارتان للبرهان
0 قام رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان مؤخراً بزيارتين مهمتين إلى كل من الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء ومصفاة الخرطوم (أمس) .. حملت الزيارتان طابعاً تفقدياً مباشراً.. وأثارتا في الوقت ذاته تساؤلات حول جدواهما ومخرجاتهما الفعلية في ظل الأزمات العميقة التي يعاني منها القطاعان.. اطلع البرهان في زيارته لتفقد الكهرباء على جهود الشركة الرامية إلى استقرار الإمداد الكهربائي.. واستمع إلى شرح مفصل من الإدارة حول سير العمل والتحديات القائمة.. داعياً إلى مضاعفة الجهود لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم.
0 أما زيارته لمصفاة الخرطوم فقد بدت أكثر إثارة للانتباه خاصة في ظل غياب وزير الطاقة والنفط وإدارة المصفاة.. حيث وقف البرهان بنفسه على تفاصيل عمليات إعادة التأهيل.. مستفسراً عن الجوانب الفنية الدقيقة ورغم هذا الاهتمام المباشر يظل التساؤل قائماً هل تكفي المتابعة الميدانية دون قرارات تنفيذية واضحة لتحسين الكهرباء ولإعادة تأهيل منشأة تعرضت لدمار كبير كالمصفاة؟
0 يعاني قطاع الكهرباء في السودان من تراجع ملحوظ نتيجة الإهمال المستمر.. إلى جانب تأخر صرف مستحقات العاملين وهجرة الكفاءات المؤهلة.. وقد تفاقمت الأزمة مع تركيز وزارة الطاقة والنفط بشكل كبير على ملف المشتقات البترولية على حساب قطاع الكهرباء.. مما انعكس سلباً على استقرار الخدمة.
0 كنا قد تناولنا هذا الموضوع في مقال نشر بتاريخ 26 مارس الماضي في هذه المساحة بعنوان (وزير يشبه قحت).. حيث أجرينا مقارنة بين وزير الطاقة الحالي وسلفه في فترة قحت عادل إبراهيم.. عندما كانت الوزارة مدمجة مع المعادن آنذاك.. ركز عادل بشكل كبير على قطاع النفط وأهمل قطاع المعادن.. وفي المقال أشرنا إلى أن الاهتمام المفرط من قبل الوزير المعتصم بقطاع النفط، لا سيما المشتقات البترولية لم يحقق الفائدة المرجوة.
0 وجاء اهتمام الوزير على حساب تطوير وصيانة البنية التحتية للكهرباء.. ويواجه هذا القطاع حالياً تراجعاً مقلقاً نتيجة الإهمال وعدم صرف مستحقات العاملين.. كما حذرنا من أن الكوادر السودانية المؤهلة التي استثمرت الدولة في تدريبها داخلياً وخارجياً أصبحت عرضة للاستقطاب من دول الخليج عبر عروض مغرية.. كما أدى هذا التركيز غير المتوازن إلى تدهور واضح في خدمات الكهرباء، وهو ما ساهم في تعقيد أوضاع ولاية الخرطوم وأثر سلباً على عودة المواطنين.. مما دفع الكثيرين إلى البحث عن حلول بديلة مثل الاعتماد على الطاقة الشمسية.
0 واشرنا الى تفاقم الأزمة أيضاً في ظل غياب شبه تام لرئيس الوزراء.. عن متابعة ما يجري داخل الوزارة المدمجة إلى جانب ابتعاد مجلس السيادة عن المشهد وهو ما يظهر في استمرار تعيين قيادات من قطاع النفط في مناصب وزير ووكيل الوزارة.. بل إن الوزير السابق جمع بين المنصبين في آن واحد، في صورة تعكس حالة من الفوضى الإدارية التي نادراً ما نجد لها مثيلاً.
0 اقترحنا ثلاثة حلول لمعالجة هذا الملف أولها إعادة وزارة الكهرباء نظراً لأهميتها الاستراتيجية وارتباطها بالأمن القومي.. وفي حال تعذر ذلك يمكن تحويلها إلى هيئة مستقلة تتبع مباشرة لرئيس الوزراء.. أما الحل الثالث فيتمثل في تعيين وكيل وزارة من ذوي الخبرة في قطاع الكهرباء.. بما يسهم في تحقيق التوازن داخل الوزارة.. لا سيما وأن المنصب شاغر حالياً منذ إعفاء محي الدين النعيم قبل نحو أربعة أشهر.
0 اما مصفاة الخرطوم تواجه وضعاً أكثر تعقيداً وفقاً للمعلومات المتوفرة لدينا.. إذ تشير التقديرات إلى أن جزءاً منها قد دمر بالكامل.. بينما تعرّض الجزء الآخر لأضرار جزئية كما لحقت أضرار بعدد من المستودعات الاستراتيجية.. حيث دمر بعضها كلياً وعلى الرغم من عرض المصفاة على مستثمرين من بينهم جهات صينية.. فإن أعمال إعادة التأهيل الفعلية داخل المصفاة لم تبدأ بعد واقتصرت الجهود حتى الآن على المناطق المحيطة بها، بما يشمل مراكز التحكم ومستودعات الشركات.
0 أن الزيارتين رغم أهميتهما الرمزية لم ترتقيا إلى مستوى الحدث.. بل بدتا أقرب إلى زيارات علاقات عامة خاصة في ظل غياب المسؤولين التنفيذيين وعدم الإعلان عن قرارات أو حلول ملموسة.. فالأزمات المطروحة سواء في الكهرباء أو المصفاة معروفة..ولا تحتاج إلى تشخيص جديد بقدر ما تحتاج إلى قرارات جريئة وتنفيذ.. الحل في إصلاح مؤسسي قبل التحرك الميداني
0 إن معالجة هذه الازمات تتطلب ما هو اكبر من زيارات تفقدية.. مثل اشراف الرئيس شخصيا على ملف المصفاة والبحث عن كيفية اعادة تاهيلها والبحث عبر شراكات دولية لتشغيلها.. ويبدأ تحريك الملف مع سفير السودان لدى الصين عمر عيسى.. بجانب معالجة أوضاع العاملين وتحفيز الكفاءات لمنع هجرتها.
0 وكذلك ربط الزيارات الرئاسية بخطط تنفيذية واضحة ومعلنة، تتضمن جداول زمنية ومؤشرات أداء.. ومن الضروري أيضاً ربط الزيارات الرئاسية بخطط تنفيذية واضحة ومعلنة.. تتضمن جداول زمنية محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.. لن تعود الخرطوم إلى حياتها الطبيعية ما لم يعالج ملف الكهرباء معالجة جذرية.. كما أن تعافي الاقتصاد القومي يظل مرتبطاً بشكل مباشر بإعادة تشغيل مصفاة الخرطوم بكفاءة واستقرار.
0 المسألة تحتاج قرارات جريئة وحاسمة قادرة على إحداث تغيير فعلي على الأرض.. إن الخرطوم اليوم لا تحتاج إلى زيارات شكلية أو جولات ميدانية لا تترجم إلى نتائج ملموسة.. لقد تجاوزت أزمات الكهرباء والطاقة في السودان مرحلة التشخيص.. كما أن استعادة الثقة بين المواطن والدولة تبدأ من تبني خطط واقعية وشفافة ومعلنة.. يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية بشكل مباشر.
0 الاكتفاء بالمشاهدات والزيارات لن يكون كافياً لإحداث تغيير حقيقي أو لإعادة دوران عجلة الإنتاج.. إن القرارات الجريئة والإصلاحات المؤسسية العميقة هي وحدها القادرة على إعادة التوازن لهذه القطاعات الحيوية.. حال لم تترجم هذه التحركات إلى عمل حقيقي يقود نحو الإصلاح.. سيبقى حال الطاقة والكهرباء ضمن سلسلة أزمات متراكمة دون حلول جذرية.. مع حكومة كامل ادريس الكسيحة.
0 ومهما يكن من أمر.. فالخرطوم اليوم شبعت من الوعود.. تحتاج أفعالاً تعيد النور وتحرك عجلة الحياة.
الجمعة 10 ابريل 2026
osaamaaa440@gmail.com











