مقالات

عثمان ميرغني يكتب: حلفا.. والشمالية..

حديث المدينة – الأحد 29 مارس 2026

عندما كنا طلاباً في مصر، ونعود في عطلاتنا السنوية إلى السودان، كنا نعبر بمدينة وادي حلفا.. وكلمة “مدينة” هنا كانت مجازاً. أشبه بعبارة الكاتب المصري المعروف عبد الستار الطويلة عندما تكبّد مشاق السفر بالقطار من القاهرة إلى الخرطوم ليكتب انطباعاته.

ولا زلت أذكر أنه بعد أن حكى قصته من محطة رمسيس في القاهرة إلى محطة أسوان، ثم وصل إلى ميناء حلفا، ختم الحلقة الأولى بعبارة: (وصلتُ ميناء وادي حلفا.. وهو لا ميناء ولا يُحزنون).
لكن الوضع الآن تغيّر كثيراً. بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تدفقت حركة نزوح هائلة نحو حلفا بقصد العبور إلى الجارة مصر، التي تُعد الهدف الأول خارجياً؛ لكونها الدولة الأقرب إلينا جغرافياً ونفسياً ومجتمعياً.
إجراءات التأشيرة والمطلوبات الأخرى أدت إلى إقامة عشرات الآلاف في مدينة حلفا، إما إقامة قصيرة قد لا تتجاوز بضعة أيام، أو طويلة تمتد لعدة شهور، وبعضهم الآن بلغ سنته الثالثة، وكأن حلفا قد أصبحت بالنسبة للبعض مدينة بديلة.
وهناك من فضّل الإقامة الدائمة، فامتلكوا الأراضي وشيّدوا عليها عقارات، بعضها من عدة طوابق.
الآن الوضع تغيّر كثيراً.. حلفا لم تعد مجرد مدينة عبور، بل أصبحت وجهة هجرة داخلية تمنحها ميزة اقتصادية ومجتمعية فريدة، بشرط أن تستجيب خطط المدينة لهذا المتغير الكبير.
ولكن.. وما أفجع “لواكن” الوطن المكلوم دائماً..
لا يبدو في الأفق ما يبرهن على أن الولاية الشمالية فكّرت في هذا الاتجاه. وربما نظرت إلى العائد المالي المباشر فقط – كما ظهر في القرار الذي أثار ضجة قبل يومين بزيادات كبيرة على مانفستو البصات التي تنقل العائدين من مصر. ومعلوم أن سياسة “شق الجيوب” بحثاً عن الأموال من جيب المواطن لصالح الجهاز البيروقراطي الحكومي هي واحدة من أهم أسباب تخلف السودان في الحكم والإدارة. فليس مطلوباً ممن يتولى الأمر في أي مستوى تنفيذي سوى فرض الجبايات، مهما أرهقت كاهل المواطن، ثم إنفاق هذه الأموال على تسيير الجهاز الحكومي المترهل الكسول.
الولاية الشمالية هبطت عليها “ليلة القدر” بتداعيات الحرب في السودان، لكونها الولاية الأكثر أماناً. فكان في متناول يدها أن تمدّ بصيرتها الاستراتيجية للنظر في إمكانية صناعة مستقبل مشرق من هذه الأوضاع.. على مبدأ (المزايا في طيّ البلايا).. في عدة مسارات.
الأول: محاولة جذب كتلة سكانية إضافية. فهي ولاية مترامية الأطراف بمساحة تعادل عدة دول، لكنها تعاني من قلة السكان؛ لأنها ظلت، في مفهوم الكثيرين ولأجيال، مصنّفة ولايةً مجدبةً صحراويةً، ليس فيها سوى شريط نيلي ضيق لا يسمن ولا يغني من جوع.
جذب الكتلة السكانية ليس شعاراً سياسياً يُعلّق فوق اللافتات، ولا بياناً يُذاع في تلفزيون الشمالية بلسان حكومة الولاية.. بل هو خطة يضعها الخبراء، عمادها ثلاثة أضلاع:
الأول: المشروعات وفرص العمل،
الثاني: التشريعات المساعدة على النمو الاقتصادي،
والثالث: البنى التحتية، وعلى رأسها تنمية المدن والقرى.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى