
*بلد المليون “شفشاف”*
عزمي عبد الرازق
في هذا البلد، لا تحتاج إلى عدسة مكبرة لتكتشف الفساد، يكفي أن تفتح عينيك قليلاً، تجد من يمد يده إلى جيبك بابتسامة وطنية عريضة، ويقول لك: “حق الإجراءات”.
حاج أحمد، العائد لتوّه من رحلة اغتراب طويلة، جاء محمّلاً بالحنين وكيلو مترات من الأمل، أراد أن يفتح متجره في العاصمة الخرطوم، يبيع ويشتري بالحلال، ويعيش مستوراً في أرض الوطن. نفض الغبار عن متجره، أدخل الكهرباء، شدّ مواسير المياه، رمّم الجدران، نظف المكان حوله، ودفع من عرق سنواته ما يكفي ليبني حياً كاملاً، لم يطلب دعماً من بنك ولا من وزارة.
في يوم الافتتاح، علّق لافتة صغيرة كتب عليها: “الرزق على الله”. فجأة اكتشف أن الرزق له أوصياء كُثر هنا. عشرات الموظفين أحاطوا به، هذا بإيصال، ذاك برسم، ثالث بمساهمة، رابع بدمغة، خامس بابتسامة صفراء تعني: “أنت عارف ونحن عارفين”. بحساب الحقل والبيدر، وجد حاج أحمد أن المشروع سيخسر قبل أن يصله أول زبون. أغلق المتجر في يوم افتتاحه. لملم حسرته، وغادر، “شيع غرامه الاتولد ساعته اللمات”.. تمّت شفشفته جهاراً نهاراً. لا لص، لا كسر باب، فقط أوراق مختومة وأختام ممهورة باسم الدولة، وأحياناً بلا اسم.
في بلد المليون شفشاف، الشاحنة تتحرك محمّلة بالبضائع، تمرّ على نقاط العبور، فتصل إلى السوق وهي “خاوية على عروشها”. الجمارك، الرسوم تأكلها أكلاً. لذلك حين تشتعل الأسعار، لا تسأل التاجر، اسأل الطريق وحراسه.
وإذا أردت أن تفهم لماذا صار كل شيء أغلى من طاقتنا، فانظر إلى ملف الوقود؛ هناك الطامة الكبرى.
الحكومة – بدلاً من أن تكون حَكَماً – صارت لاعباً في مباراة تُدار بقواعد المافيا. تفتح الطريق لبعض الموردين مقابل رضاهم وكرمهم، وتغلقه في وجه آخرين. الباخرة الواحدة – كما يتردد – تربح أحياناً نحو ثمانية ملايين دولار. ثمانية ملايين في شحنة واحدة! كانت تُدار العملية بنظام “الكوتات” مناصفة بين شركات القطاع العام والخاص.
تتوزع الأرباح بين المجموعات، وتتحول باخرة واحدة إلى تذكرة دخول إلى نادي الأثرياء. ومع ذلك، أسعار الوقود في السودان هي الأعلى. الحكومة تشفشف من تجار الوقود، والتجار يتحكمون في الأسعار والأسواق، فتشتعل نار الغلاء من محطة البنزين حتى رغيفة الخبز، حبة البندول.
والأدهى أن بعض الشخصيات لا تستورد وقوداً ولا ترى البحر أصلاً، كل ما تملكه “ورق”. تصريح، رخصة، ختم. تؤجر هذا “الورق” لجهة أخرى تستورد عبره، ويتحصل صاحب الورق على مبالغ طائلة مقابل لا شيء سوى توقيع.. فكم يربح المستورد الحقيقي إذن؟ وكم يدفع المواطن من فقره ثمن كل هذه التواقيع؟
في اقتصاد طبيعي، وجود شركات حكومية أو شبه حكومية قوية يُفترض أن يكون آلية لضبط السوق، لتحديد هامش ربح معقول، ولجم جشع القطاع الخاص حين يندفع بلا سقف. لكن عندنا، حتى الشركة الحكومية إن وُجدت، تدخل السوق كتاجر إضافي، فتتلاشى الحدود بين المنظم والمستفيد، ويضيع المواطن بينهما.
حتى “الوكالات” عندنا تحتاج إلى وكالة لضبط شهيتها، ولنا في الموافقة الأمنية لدخول مصر قصص وحكايات مؤلمة، أكثر من “طاقية” في الموافقة الواحدة بعد صدروها بالسعر الرسمي من السلطات المصرية.
صديق أراد فيزا إلى تركيا لحضور مؤتمر. التأشيرة بثلاثمائة دولار تقريباً، بالطريقة الرسمية، لكن الوسيطة – الجميلة الجشعة– طلبت أكثر من ثلاثة آلاف دولار. قالت له ببرود: “دي إجراءات”. أي إجراءات هذه التي تجعل الورقة تساوي عشرة أضعاف قيمتها؟ قلت له إنها تريد أن تبيع لك جمالها، تكلفة الكوافير، قسط السيارة، شيك الدليفري والفستان، وأشياء أخرى.
النسبية عندنا مشروع استثماري طويل الأجل. شاب مسكين صرف كل ما يملك على مراسم الزواج: صالة، فستان، ذهب، بوفيه مفتوح حتى إشعار آخر. وعندما ذهب إلى شهر العسل، عاد مفلساً، لا يملك إلا زوجته، وقائمة ديون بحجم تكلفة زواج جماعي، تمّت شفشفته باسم “الفرح”، ونسيبته التي كانت وراء كل هذا البذخ لم تكن سعيدة بزوج بنتها الذي أفقرته!
في طريق شريان الشمال طلبت “نص كمشة فول ورغيفتين” بستة آلاف جنيه، مع زيادة عيشات أخرى ارتفع السعر لعشرة آلاف، يحدث هذا بالقرب من السليم، مناطق إنتاج الفول المصري! يبدو أن الفول يسافر درجة أولى ثم يعود إلينا سائحاً، لذلك يرتفع سعره تقديراً لمشاعره.
قصة صديقنا إبراهيم القاسمي تصلح لأن تُدرّس في كلية الاقتصاد – قسم “الشفشفة التطبيقية”. اتفق مع غفير عمارة على خمسين ألفاً لترحيل أنقاض شجر. اشتغل الرجل وكسر ورصّ وهجر الحطب، وجمعه في دور واحد. فجأة حوّل له الغفير خمسةً وعشرين. قال له: “إنت قلت دورين، ودا دور واحد”. منطق رياضي جديد: إذا أنجزت المهمة بكفاءة، يُخصم نصف أجرك! لكن صاحب العمارة حضر صدفة، وسأل: “متفقين بكم؟” قال إبراهيم: “بخمسين.” التفت إلى الغفير: “إنت مش قلت لي مية؟” فعرق الرجل وجفّ في اللحظة نفسها. في بلد المليون شفشاف، الكذبة لا تسقط أخلاقياً، تسقط فقط إذا حضرت صدفة غير متوقعة.
أما طريق الخرطوم – مدني، طريق الموت، فهو درس عملي في الإهمال، حفر بحجم المأساة، وحوادث تكتب بيانات نعي يومية، يتم تحصيل الرسوم باسم الصيانة، وتُخصم النِّسب من كل جالون وقود، لكن الطريق يظل كما هو، شاهداً على أن المال وصل… إلى مكان آخر. لا توجد صيانة، الإطارات تنفجر بسبب الحفر والمزالق المدلهمة، وتصطدم السيارات ببعضها البعض.
الحرب أخرجت أسوأ ما فينا، منحت البعض رخصة مفتوحة للاستغلال، جشع وانتهازية، وحسد بلا مناسبة أحيانا ” نعيب زماننا والعيب فينا..”، الدولة نفسها تحوّلت إلى جابي رسوم كبير، تتقاضى ثمن الحماية ولا تحمي أحداً، وتشارك في السوق ولا تضبطه، ولا نعرف أين الجهات الرقابية؟ أين الجمعية السودانية لحماية المستهلك؟ من قتلها؟ أم أنها ماتت بحادث “شفشفة” تم تقيده ضد مجهول؟ وكما يبدو أننا تحولنا إلى بلد المليون شفشاف، إذا لم يشفشفك الموظف، شفشفك السمسار، وإن نجوت من الرسوم، لحقتك “كمشة الفول المحظور “وإذا أفلتّ من الطريق، تجار الوقود بالمرصاد، الجمارك، ثمة لغم بالقرب منك، أحذر وحاذر من نفسك أيضاً.







