منوعات

الفكي عبد الرحمن: صانع دهشة المسرح السوداني

منوعات ـ النورس نيوز
لم تكن عبارة “(ركن الأطفال.. يقدمه عمكم مختار)” مجرد شارة إذاعية عابرة، بل كانت “كلمة السر” التي تفتح أبواب الخيال لأجيال من أطفال السودان، وتنسج من أثير إذاعة أمدرمان عوالم من القيم والجمال. لكن خلف ذلك الصوت الأبوي الحنون، كان يختبئ معمارٌ عبقري، لم يكتفِ ببناء عقول الصغار، بل وضع حجر الأساس لأعظم صرح ثقافي في بلادنا.
من “تنقاسي” إلى ضفاف التايمز
بدأت الحكاية في عام 1933م بمدينة تنقاسي الخضراء، حيث استلهم الفكي عبد الرحمن روح الأرض قبل أن يصقلها العلم في معهد التربية بخت الرضا. لم يكن طموحه يعرف الحدود؛ فشد الرحال إلى القاهرة لدراسة الدراما، ثم ارتقى منصات المسرح العالمي في المملكة المتحدة. وهناك، في قلب لندن، تلاحمت عبقرية الفكي مع رؤية الروائي العالمي الطيب صالح، ليقدما روائع شكسبير باللسان العربي.
ثورة الستينيات: عندما صار المسرح “دولة”
في عام 1967م، تسلم الفكي عبد الرحمن دفة المسرح القومي السوداني، وحوّله من ملحق إذاعي بسيط إلى “مؤسسة” تضج بالحياة. وبحس القائد الأكاديمي، أهل الخشبة، وضبط الإضاءة، واستقطب الكفاءات، فكان بحق “المهندس” الذي هندس للحركة المسرحية السودانية عصرها الذهبي.
عصر “المواسم” والروائع الخالدة
بصرامة المعلم ورؤية الفنان، أرسى الفكي تقليد “الموسم المسرحي”، ففتحت الستارة على ملحمة (المك نمر) لتعلن ميلاد زمن جديد. وتوالت الإبداعات التي حفرت في وجدان الشعب: من فلسفة (سنار المحروسة)، إلى صراعات (إبليس)، وصولاً لواقعية (أكل عيش). لم يترك الفكي خلفه نصوصاً فحسب، بل ترك جيلاً من المبدعين الذين تعلموا في مدرسته أن الفن التزام ورسالة.
رحل “عمكم مختار” جسداً، لكن صوته ما زال يتردد في ردهات المسرح القومي، وضحكات الأطفال التي رعاها يوماً صارت اليوم وعياً يقود الأمة. رحمه الله بقدر ما أعطى لهذا الوطن.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى