د. زحل السعيد عثمان تكتب.. سودانُ المستقبل: رهانُ العقولِ الشابّةِ أمْ خريفُ البيروقراطيةِ؟
النورس نيوز
د. زحل السعيد عثمان تكتب.. سودانُ المستقبل: رهانُ العقولِ الشابّةِ أمْ خريفُ البيروقراطيةِ؟
في ردهات معرض القاهرة الدولي للكتاب، جمعني لقاءٌ عفوي بنخبة من الشباب السودانيين؛ نقاشٌ مستفيض ومطوّل غاص في تفاصيل واقعنا المنهك وتطلعاتنا المؤجلة، ليخرج بيقين لا يتزعزع: إنَّ الأمل الوحيد المتبقي لإعادة إعمار السودان يكمن في سواعد هؤلاء الشباب وعقولهم المتقدة .ومن هنا، يبرز تساؤل جوهري حول تلك الفجوة العميقة التي تفصل بين طاقة هؤلاء الشباب المتفجرة وبين كراسي اتخاذ القرار في وطننا؛ فبينما يعيد العالم صياغة مستقبله عبر استثمار “قوة الشباب” بصفتها المحرك الأول للتنمية، لا يزال الهيكل الإداري في البلاد يصر على الانغلاق داخل أطر تقليدية تجاوزها الزمن.
إن استبعاد الشباب ليس مجرد غياب لتمثيل فئة عمرية، بل هو تعطيل لآلة الحداثة، إذ يمتلك هذا الجيل مرونة رقمية وقدرة على تطويع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في وضع خطط استراتيجية لا ترتكن إلى المسكنات، بل تستشرف آفاق العقود القادمة برؤية ثاقبة تتجاوز البيروقراطية المتجذرة.
إن المنطق يقتضي أن تتحول الخبرات المتراكمة لدى الكوادر المخضرمة إلى “مجالس استشارية” تُعنى بالحكمة والتوجيه، بينما تُسلم الدفة التنفيذية والوظائف القيادية للشباب، لخلق حالة من التجانس بين “رصانة التجربة” و”عنفوان التنفيذ”، مما يمنح المجتمع الشاب شعوراً بالانتماء والأمل في أن رؤيتهم للعالم ليست مجرد أحلام معلقة، بل هي واقع يُبنى بأيديهم. ويظهر جلياً حجم الهدر في الكفاءات حين نتأمل في قصص النجاح الملهمة التي يسطرها رواد الأعمال السودانيين في دول الجوار والمهاجر البعيدة، وصولاً إلى حصد جيل الشباب لجوائز عالمية مرموقة في مجالات الطب، والابتكار التقني، والآداب، وحتى في ريادة الأعمال المجتمعية تحت ظل أقسى الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد. فهؤلاء الذين اخترقوا الأسواق العالمية المعقدة، ورفعوا اسم السودان في المحافل الدولية رغم معاناة النزوح وتبعات الحرب، برهنوا على أن العبقرية السودانية قادرة على الإعمار والتميز في أصعب الظروف.
إن مَن استطاع أن يبني صرحاً اقتصادياً أو يحقق سبقاً علمياً وهو مكبل بآلام اللجوء، هو الأجدر بأن تُمنح له الأمانة ليعيد بناء وطنه المنهك، فالنجاح في المنفى وحصد الاعتراف الدولي هو حجة دامغة على تقصير الداخل في احتضان هذه العقول.
إن هذا التحول الجذري ليس ضرباً من الخيال، بل هو نهج أثبت فاعليته في كل أمة أرادت النهوض من عثرتها بالاعتماد على ذخيرتها البشرية الحية. إن السودان، بموقعه وتحدياته، أحوج ما يكون إلى هذه الشجاعة في التغيير، ليتوقف نزيف العقول نحو الخارج وتبدأ رحلة العودة إلى الذات.
وختاماً، إن الرسالة الموجهة للدولة اليوم هي ضرورة الإدراك بأن الأوطان لا تُبنى بالتمسك بالماضي وحده، بل بالقدرة على إشراك الشباب في كل المجالات الحيوية، وبالأخص في المجالات الدبلوماسية والتمثيلات الدولية البارزة؛ فالمجتمع الدولي اليوم يثق ويقدر الدولة التي يتحدث بلسانها شبابها، ويرى فيهم انعكاساً لمستقبلها وحيويتها.
إن الاستثمار في الشباب في السلك الدبلوماسي والمواقع التنفيذية هو “طوق النجاة” الوحيد؛ فالدولة التي تخشى تمكين شبابها هي دولة تختار طواعية أن تظل خارج سياق التاريخ. لقد حان الوقت لتثق الدولة في قدرة أبنائها على القيادة والتمثيل المشرف، فإما أن يُمنحوا الفرصة لصناعة فجر جديد للسودان، أو أن يظل الوطن يدفع ثمن تغييبهم ضياعاً وهجرةً واستنزافاً. إن بقاء الدولة مرهونٌ بمدى قدرتها على التحول من “سلطة الأقدمية” إلى “دولة الكفاءة”، حيث يكون الشباب هم القلب النابض في جسد الإدارة والسياسة، لإرساء دعائم وطنٍ يسع الجميع ويُبنى بروح العصر.
* خبيرة في الشئون الإنسانية والسياسات الإقليمية











