د. زحل السعيد عثمان تكتب.. من ركام الحرب إلى رحاب المعرفة: اليوم الدولي للتعليم
النورس نيوز
د. زحل السعيد عثمان تكتب.. من ركام الحرب إلى رحاب المعرفة: اليوم الدولي للتعليم
بمناسبة اليوم الدولي للتعليم الذي يوافق الرابع والعشرين من يناير، أردت أن أستهل حديثي بتوصية قلبية لكل السودانيين الموجودين حالياً في القاهرة بضرورة زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحالية؛ فالأمم لا تعلو إلا بالعلم، والتعمير الحقيقي يبدأ دائماً من خطوة التعلم والتعليم. إن القراءة هي الزاد الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى، لنؤكد لأنفسنا وللعالم أن جمرة المعرفة في وجداننا لا تطفئها مرارة النزوح أو قسوة الحرب.
نجد أنفسنا في السودان هذا العام أمام مفارقة مؤلمة؛ فبينما يحتفل العالم بشعار “قوة الشباب في صياغة التعليم” لعام 2026، يواجه شبابنا وأطفالنا أكبر تهديد لمستقبلهم الأكاديمي والوجودي. إن التعليم في بلادنا يمثل الركيزة الأساسية لأي نهضة وطنية، وهو جدار الحماية الأول للمجتمع ضد الفقر والتطرف والجهل، وقد ظل عبر الأجيال الحلم الأسمى لكل أسرة سودانية تتطلع للرفعة والكرامة.
إلا أن واقع التعليم تحت وطأة الحرب منذ عام 2023 وحتى يومنا هذا يعكس ضربات قاصمة جعلت من القطاع التعليمي ساحة صراع غير مباشرة. لقد توقفت العملية التعليمية وحُرم ملايين الأطفال من مدارسهم، كما تعرضت البنية التحتية من جامعات ومكتبات تاريخية للدمار والنهب، وتحول الكثير منها إلى مراكز إيواء أو ثكنات. ولم يتوقف الأمر عند الحجر، بل امتد لنزيف الكفاءات بهجرة المعلمين والأساتذة بحثاً عن الأمان، والآثار النفسية العميقة التي خلفت صدمات وفجوات معرفية أدت لانتشار ظواهر قاسية كعمالة الأطفال.
ولأن استمرار التعليم هو أرقى أشكال المقاومة، فلا بد من حلول عملية تتجاوز هذه العقبات، مثل مبادرة “المساحات التعليمية الآمنة” التي تعتمد على تحويل الأحياء والمساجد في المناطق المستقرة إلى فصول دراسية مصغرة يديرها المعلمون النازحون مع التركيز على المناهج الأساسية. كما تبرز أهمية “التعليم الإذاعي” عبر الراديو كبديل منخفض التقنية وعالي الوصول لتجاوز أزمات الكهرباء والإنترنت، بجانب استخدام منصات التواصل البسيطة كواتساب لنشر الدروس المسجلة التي يمكن تحميلها في أي وقت.
إن استدامة هذا الصمود تتطلب أيضاً تفعيل مشروع “المعلم المنتج” وصناديق التكافل لدعم المعلمين المتطوعين في مراكز الإيواء، والتوجه نحو “التعليم المهني المتسارع” في مجالات الطاقة المتجددة، والتقنيات الزراعية، والبرمجة، لتمكين الشباب من مواجهة متطلبات الواقع الراهن.
ختاماً، ومن منطلق المسؤولية الدولية، نطلق نداءً للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية بضرورة إدراج حماية التعليم في السودان كأولوية قصوى في خطط الاستجابة الإنسانية. إن الاستثمار في استمرارية التعليم ليس ترفاً، بل هو صمام أمان لاستقرار المنطقة ومنع ضياع جيل كامل. إن كل مدرسة نفتحها وسط النزوح، وكل كتاب نحمله من المعرض اليوم، هو لبنة في بناء سودان المستقبل؛ وكما قيل: “إذا أردت إحياء أمة، فابدأ بالكتاب”.
* خبيرة في الشؤون الإنسانية والسياسات الدولية











