الأحد 18 مايو 2026
كتبت هذا العمود يوم السبت 15 ديسمبر 2018، أي قبل ثلاثة أيام فقط من انطلاق ثورة ديسمبر التي أطاحت بالحكم الدكتاتوري.. بالله عليك تأمل هذه الكلمات في ذلك التوقيت العجيب..
حديث المدينة السبت 15 ديسمبر 2018
بناءً على دعوة منه، تشرفت مساء أمس “الجمعة” بالجلوس مع الأستاذ فاروق أبو عيسى بمنزله بالخرطوم، بحضور ومشاركة الأستاذ ساطع الحاج.. سرد أبو عيسى وقائع حوار دار بينه والمهندس عمر الدقير، وخلاصته أن أبو عيسى لا يرى في دعوة الدقير للتفاهم حول موقف مشترك أية جدية، للتباين الكبير بين الطرفين.. فحزب المؤتمر السوداني منخرط في حوار مع السلطة، بينما تحالف قوى الإجماع يتبنى برنامجًا واحدًا هو إسقاط السلطة.. ويقول أبو عيسى إن الدقير بعث برسالته (التي لم تُسلَّم إليه)، ثم سافر في الليلة ذاتها إلى أديس أبابا ليكون طرفًا في مفاوضات يرى أبو عيسى أنها تتعارض كليًا مع برنامج التحالف.
بعد سماعي للحيثيات التي أوردها الأستاذ فاروق أبو عيسى، ازدادت قناعتي أن مكونات المعارضة السودانية تعاني من حالة انفصام داخلي أكبر من معارضتها للسلطة..
ومحور العلة، في تقديري، هو العلة ذاتها التي يعانيها حزب المؤتمر الوطني وحكومته.. فالمعارضة تراهن على جماهير تثور في الشارع وتسقط الحكومة لتتسلم هي الحكم، على نسق ما جرى في أبريل 1985، وربما أكتوبر 1964 أيضًا..
وحزب المؤتمر الوطني – من جانبه – يشكر جماهير الشعب السوداني على طول صبرها عليه.. أو كما قال الدكتور فيصل حسن إبراهيم بعد اجتماع طويل للمكتب القيادي للمؤتمر الوطني ليلة أمس الأول.. كلا الفريقين ينتظران؛ الأول نفاد صبر الشعب السوداني، والثاني مزيدًا من الصبر..
بالله تمعن في الصورة جيدًا، لا هذا ولا ذاك يعول على شراكة الشعب في السلطة والقرار والمصير الوطني.. فالمعارضة ينتهي دور الشعب لديها بإسقاط النظام، والحكومة ينتهي دور الشعب لديها بالصبر على حطام 30 سنة من احتكار السلطة..
أين الشعب؟ في كلتا الحالتين هو مجرد آلة.. آلة إسقاط أو آلة حماية من الإسقاط..
وفي تقديري أن السبب في هذه النظرة الآلية هو مفهوم الشعب لدى الحكومة والمعارضة معًا.. إنه كتلة من الجماهير قادرة على أن تتحول إلى سلاح دمار شامل إذا اجتاحت الشوارع.. والفائز هو من يحرك هذه الكتلة؛ يحركها إلى الشارع بالنسبة للمعارضة، ويحركها بعيدًا عن الشارع بالنسبة للحكومة..
مجرد كتلة بشرية تموج في الطرقات عند الطلب، وتخبو عند الطلب أيضًا.. وينتهي دورها بانتهاء الفعل المطلوب؛ بالإطاحة أو الصبر على وعثاء الحكم..
التعامل مع الشعب باعتباره (جمع مذكر/مؤنث سالم) هو الذي يكرس حالة البحث عن كتل للتظاهر من جانب المعارضة، وكتل صابرة من جانب الحكومة..
والحقيقة:
يجب تفكيك مفهوم مصطلح (الشعب) إلى مجموع المصالح المشتركة لسكان كوكب السودان..
ولا يمكن مخاطبة (الشعب!) إلا وفق هذه المصالح بصورة مجردة من أية تهويمات سياسية.. ليست المصالح المرسلة على الشيوع مثل الحرية والعدل والمساواة، فهذه قيم تتوفر حتى في دستور الاتحاد السوفيتي البائد، وألمانيا الشرقية كانت تسمي نفسها (ألمانيا الديمقراطية)، رغم أن مواطنيها كانوا يقفزون فوق حائط برلين بحثًا عن (الديمقراطية) في ألمانيا الغربية..
بل المصلحة المباشرة لجميع أفراد الشعب.








